قوله: {تُؤْمِنُونَ} والعامَّةٌ على «تُؤْمنون» خبرًا لفظًا ثابتَ النون.
وعبد الله «آمِنوا» و «جاهِدوا» أمرَيْن.
وزيد بن علي «تؤمنوا» و «تجاهِدوا» بحذف نونِ الرفع.
فأمَّا قراءةُ العامَّة فالخبرُ بمعنى الأمرِ يَدُلُّ عليه القراءتان الشاذَّتان؛ فإن قراءةَ زيدِ بنِ علي على حَذْفِ لام الأمر أي: لِتؤمنوا ولتجاهِدوا كقوله:
4259 - محمدُ تَفْدِ نَفْسَك كلُّ نفسٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ} [إبراهيم: 31] في وجهٍ أي: لِتَفْدِ، وليقيموا، ولذلك جُزِمَ الفعلُ في جوابِه في قولِه: «يَغْفِرْ» وكذلك قولُهم: «اتقى اللَّهَ امرؤ فَعَلَ خيرًا يُثَبْ عليه» تقديرُه: ليتقِ اللهَ.
وقال الأخفش: «إنَّ «تؤمنون» عطفُ بيان لتجارة»
وهذا لا يُتَخَيَّلُ إلاَّ بتأويل أن يكونَ الأصلُ: أنْ تؤمنوا فلمَّا حَذَفَ «أن» ارتفع الفعلُ كقوله:
4260 - ألا أيُّهذا الزَّاجِريْ أَحْضُرُ الوغَى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصل: أن أَحْضُرَ. وكأنه قيل: هل أدلُّكم على تجارة مُنْجية: إيمانٍ وجهاد.
وهو معنى حسنٌ لولا ما فيه من التأويل.
وعلى هذا فيجوزُ أَنْ يكونَ بدلًا مِنْ تجارة.
وقال الفراء: هو مجزومٌ على جوابِ الاستفهام وهو قولُه: «هل أدلُّكم»
واختلف الناسُ في تصحيح هذا القولِ: فبعضُهم غلَّطه.
قال الزجاج: ليسُوا إذا دَلَّهم على ما ينفعهم يَغْفِرُ لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا»
يعني أنه ليس مرتَّبًا على مجرد الاستفهام ولا على مجرَّدِ الدلالة.
وقال المهدوي: «إنما يَصِحُّ حَمْلًا على المعنى: وهو أَنْ يكونَ «يؤمنون، ويُجاهدون» عطفَ بيان على قولِه: «هل أدلُّكم» كأنَّ التجارةَ لم يُدْرَ ما هي؟
فبُيِّنَتْ بالإِيمان والجهاد، فهي هما في المعنى فكأنه قيل: هل تُؤْمنون وتجاهدون؟
قال: فإنْ لم تقدِّر هذا التقديرَ لم يَصِحَّ؛ لأنه يَصيرُ: إنْ دُلِلْتُمْ يَغْفِرْ لكم.
والغُفْرانُ إنما يجبُ بالقَبولِ والإِيمانِ لا بالدَّلالةِ.
وقال الزمخشري قريبًا منه أيضًا. وقال أيضًا: «إنَّ» تُؤْمنون» استئنافٌ، كأنهم قالوا: كيف نعملُ؟ فقال: تؤْمنون».
وقال ابن عطية: «تُؤْمنون فعلٌ مرفوعٌ، تقديرُه: ذلك أنَّه تُؤْمنون» ، فجعله خبرًا لـ «أَنَّ» ، وهي وما في حَيِّزها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ.
وهذا محمولٌ على تفسيرِ المعنى لا تفسيرِ الإِعرابِ، فإنَّه لا حاجةَ إليه.