قوله: {انفضوا إِلَيْهَا} : أعاد الضمير على التجارة دونَ اللهو؛ لأنها الأهمُّ في السبب.
قال ابن عطية: «وقال: إليها ولم يقل: إليهما تَهَمُّمًا بالأهمِّ، إذ كانَتْ هي سببَ اللهوِ ولم يكن اللهوُ. سبَبَها.
وتأمَّلْ أنْ قُدِّمِتْ التجارةُ على اللهو في الرؤية؛ لأنها أهمُّ وأُخِّرت مع التفضيل، لتقعَ النفسُ أولًا على الأَبْيَن» انتهى.
وفي قولِه «لم يَقُلْ إليهما» ثم أَجابَ بما ذكَرَ نَظَرٌ لا يَخْفَى؛ لأنَّ العطفَ بـ «أو» لا يُثنَّى معه الضميرُ ولا الخبرُ ولا الحالُ ولا الوصف؛ لأنها لأحدِ الشيئَيْن، ولذلك تأوَّل الناسُ «إنْ يكُنْ غنيًا أو فقيرًا فاللَّهُ أَوْلى بهما» كما قَدَّمتهُ في موضعِه.
وإنما الجوابُ عنه: أنه وَحَدَّ الضميرَ لأنَّ العطفَ بـ «أو» وإنما جيْءَ بضميرِ التجارة دونَ ضمير اللهوِ وإن كان جائزًا لِما ذكَره ابنُ عطيةَ مِنْ الجوابِ، وهو الاهتمام كما قاله غيرُ واحدٍ.
وقد قال الزمخشريُّ قريبًا ممَّا قاله ابنُ عطية فإنه قال: «كيف قال: إليها، وقد ذكرَ شيئَيْن؟
قلت: تقديرُه: إذ رأوا تجارةً انفَضُّوا إليها أو لَهْوًا انفَضُّوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكورِ عليه، وكذلك قراءةُ مَنْ قرأ «انفَضُّوا إليه» انتهى.
قوله: قلتُ تقديرُه إلى آخره، يُشْعِرُ، بأنَّه كان حقُّ الكلام أَنْ يُثَنَّى الضمير، ولكنه حُذِف.
وفيه ما قَدَّمتُه لك: مِنْ أنَّ المانعَ مِن ذَلك أمرٌ صناعيٌ وهو العطفُ بـ «أو»
وقرأ ابن أبي عبلةَ «إليه» أعاد الضميرَ إلى اللهو وقد نَصَّ على جوازِ ذلك الأخفش سَماعًا من العرب نحو: «إذا جاءك زيد أو هند فأَكْرِمه» وإن شئْتَ «فأكرِمْها»
وقرأ بعضهُم «إليهما» بالتثنية.
وتخريجُها كتخريجِ {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} [النساء: 135] وقد تقدَّم تحريرُه [1] .
[1] هذا نص كلامه - رحمه الله - عند الآية المشار إليها:
وعلى هذا يقال: كيف ثَنَّى الضميرَ في الآية الكريمة والعطفُ بـ «أو» ؟
لا جرم أن النحويين اختلفوا في الجوابِ عن ذلك على خمسةِ أوجه:
أحدها: أنَّ الضميرَ في «بهما» ليس عائدًا على الغني والفقير المذكورين أولًا، بل على جنسَيْ الغني والفقير المدلولِ عليهما بالمذكورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهودُ عليه غنيًا أو فقيرًا فليشهد عليه، فاللَّهُ أَوْلى بجنسَي الغني والفقير، ويَدُلُّ على هذا قراءة أُبَيّ: «فالله أوْلَى بهم» أي بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجنس على ما قَرَّرته لك، ويكون قوله: {فالله أولى بِهِمَا} ليس جوابًا للشرط، بل جوابُه محذوفٌ كما قد عرفته، وهذا دالٌّ عليه.
الثاني: أنَّ «أو» بمعنى الواو، ويُعْزى هذا للأخفش، وكنت قدَّمْتُ أولَ البقرة أنه قولُ الكوفيين وأنه ضعيفٌ.
الثالث: أن «أو» للتفصيل أي: لتفصيلِ ما أُبْهم. وقد أوضح ذلك أبو البقاء فقال: «وذلك أنَّ كلَّ واحد من المشهود عليه والمشهود له قد يكون غنيًا وقد يكون فقيرًا.
وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا.
فلما كانتِ الأقسام عند التفصيل على ذلك أُتِي بـ «أو» لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في «بهما» عائدًا على المشهود له والمشهودِ عليه على أيِّ وصفٍ كانا عليه» انتهى.
إلاَّ أنَّ قولَه: «وقد يكون أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا» مكررٌ لأنه يُغْني عنه قولُه «وذلك أنَّ كلَّ واحد» إلى آخره.
الرابع: أنَّ الضمير يعود على الخصمين تقديره: إن يكنِ الخصمان غنيًا أو فقيرًا فالله أَوْلى بذينك الخصمين.
الخامس: أنَّ الضميرَ يعودُ على الغِنى والفقرِ المدلول عليهما بلفظِ الغني والفقير.
والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغِنى الغَني وفَقْر الفقير.