فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 2134

قال الزمخشريُّ: «فإنْ قلتَ: ما فائدة الجمعِ بين نَفْيِ العِوَجِ وإثباتِ الاستقامةِ وفي أحدِهما غِنَىً عن الآخر؟.

قلت: فائدتُه التأكيدُ فَرُبَّ مستقيمٍ مشهودٌ له بالاستقامةِ، ولا يَخْلو مِنْ أدنى عِوَجٍ عند السَّبْرِ والتصفُّح».

ووقف حفصٌ على تنوينِ «عِوَجًا» يُبْدله ألفًا، ويسكت سكتةً لطيفةً

من غير قَطْع نَفَسٍ، إشْعارًا بأنَّ «قَيِّمًا» ليس متصلًا بـ «عِوَجًا» .

وإنما هو مِنْ صفةِ الكتاب. وغيرُه لم يَعْبَأْ بهذا الوهمِ فلم يسكتْ اتِّكالًا على فَهْمِ المعنى.

قلت: قد يتأيَّد ما فعله حفصٌ بما في بعضِ مصاحفِ الصحابةِ: «ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا، لكنْ جَعَلَه قيَّمًا» . وبعض القراء يُطْلِقُ فيقول: يَقِف على «عِوَجا» ، ولم يقولوا: يُبدل التنوين ألفًا، فيُحْتمل ذلك، وهو أقربُ لغرضِه فيما ذكرْتُ.

وفَعَلَ حفص في مواضعَ من القرآن مثلَ فِعْلِهِ هنا مِنْ سكتةٍ لطيفةٍ نافيةٍ لوَهْمٍ مُخِلٍّ.

فمنها: أَنَّه كان يقفُ على «مَرْقَدِنا» ، ويَبْتدئ: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} [يس: 52] .

قال: «لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّ «هذا» صفةٌ لـ «مَرْقَدِنا» فالوقفُ يبيِّن أنَّ كلامَ الكفارِ انقَضى، ثم ابتُدِئ بكلامِ غيرِهم. قيل: هم الملائكةُ.

وقيل: هم المؤمنون. وسيأتي في يس ما يَقْتضي أنْ يكونَ «هذا» صفةً لـ «مَرْقَدِنا» فيفوتُ ذلك.

ومنها: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27] . كان يقف على نونِ «مَنْ» ويَبْتَدِئ «راقٍ» قال: لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّها كلمةٌ واحدةٌ على فَعَّال اسمَ فاعلٍ للمبالغة مِنْ مَرَق يَمْرُق فهو مَرَّاق.

ومنها: {بَلْ رَانَ} [المطففين: 14] كان يقفُ على لام بل، ويَبْتدئ «رانَ» لِما تقدَّم.

قال المهدويُّ: «وكان يَلْزَمُ حفصًا مثلُ ذلك، فيما شاكَلَ هذه المواضِعَ، وهو لا يَفعلُه، فلم يكن لقراءتِه وَجْهٌ من الاحتجاجِ إلا اتباعُ الأثَرِ في الرواية»

قال أبو شامة: «أَوْلَى من هذه المواضعِ بمراعاةِ الوقفِ عليها: «ولا يَحْزُنْكَ قولُهم. {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] ، الوقفُ على «قَوْلُهم» لئلا يُتَوَهَّم أنَّ ما بعده هو المقولُ»، وكذا {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار * الذين يَحْمِلُونَ العرش} [غافر: 67] ينبغي أن يُعْتَنَى بالوقفِ على «النار» لئلا تُتَوَهَّم الصفةُ».

قلت: وَتَوَهُّمُ هذه الأشياءِ مِنْ أبعدِ البعيدِ.

وقال أبو شامةَ أيضًا: «ولو لَزِم الوقفُ على اللامِ والنونِ ليَظْهرا لَلَزِمَ ذلك في كلِّ مُدْغَمٍ» .

قلت: يعني في «بَلْ رَان» وفي «مَنْ راقٍ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت