فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 2134

واعلمْ أنَّ العربَ إذا نَفَتِ الحكمَ عن محكومٍ عليه فالأكثرُ في لسانِهم نَفْيُ ذلك القيدِ، نحو: «ما رأيتُ رجلًا صالحًا» ، الأكثرُ على أنك رأيت رجلًا ولكن ليسَ بصالحٍ، ويجوزُ أنَّكَ لم تَرَ رجلًا ألبتَّةَ لا صالحًا ولا طالحًا، فقوله: {لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافًا} المفهومُ أنهم يسألونَ لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكونَ المعنى: أنهم لا يَسْألون ولا يُلْحِفون، والمعنيان منقولان في التفسير.

والأرجحُ الأولُ عندهم، ومثلُه في المعنى: «ما تأتينا فتحدثنا» يجوز أنه يأتيهم ولا يحدِّثُهم، ويجوزُ أنه لا يأتيهم ولا يحدِّثُهم، انتفى السبب وهو الإِتيانُ فانتفى المُسَبَّبُ وهو الحديثُ.

وقد شَبَّه الزجاج - رحمه الله تعالى - معنى هذه الآيةِ الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس وهو قوله:

1088 - على لاحِبٍ لا يُهْتدى بمَنارهِ ... إذا سافَه العَوْدُ النباطيُّ جَرْجَرا

قال الشيخ: «تشبيهُ الزجاج إنما هو في مُطْلَقِ انتفاءِ الشيئين أي: لا سؤالَ ولا إلحافَ، وكذلك هذا: لا منارَ ولا هدايةَ، لا أنه مثلُه في خصوصية النفي، إذ كان يلزمُ أن يكون المعنى: لا إلحافَ فلا سؤالَ، وليس تركيبُ الآيةِ على هذا المعنى، ولا يَصِحُّ: لا إلحافَ فلا سؤالَ لأنه لا يلزمُ من نفي الخاص نفيُ العام، كما لَزِم من نفيِ المنارِ نفيُ الهداية التي هي من بعض لوازمِهِ.

وإنما يُؤدِّي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن لو كان التركيب: «لا يُلْحِفون الناسَ سؤالًا» لأنه يلزمُ من نفيِ السؤال نفيُ الإِلحافِ، إذ نفيُ العامِّ يَدُلُّ على نفيِ الخاص.

فتلخَّص من هذا كلَّه أنَّ نَفْيَ الشيئين: تارةً تُدْخِلُ حرفِ النفي على شيءٍ فتنتفي جميعُ عوارضِه، وتُنَبِّهُ على بعضِها بالذكرِ لغرضٍ ما، وتارةً تُدْخِلُ حرفَ النفي على عارضٍ مِنْ عوارضِه، والمقصودُ نفيهُ فتنتفي لنفيهِ عوارضُه».

قلت: قد سَبَقه ابنُ عطية إلى هذا فقال: «تَشْبيهُه ليس مثلَه خصوصيةِ النفي، لأنَّ انتفاءَ المنارِ في البيتِ يَدُلُّ على نفي الهدايةِ، وليس انتفاءُ الإِلحاحِ يدلُّ على انتفاءِ السؤالِ» .

وأطالَ ابنُ عطية في تقريرِ هذا وجوابُه ما تقدم: من أنَّ المرادَ نفيُ الشيئين لا بالطريقِ المذكورِ في البيتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت