قوله: {خُشَّعًا} : قرأ أبو عمر والأخَوان «خاشِعًا» وباقي السبعة «خُشَّعًا» .
فالقراءةُ الأولى جاريةٌ على اللغةِ الفُصْحى مِنْ حيث إن الفعلَ وما جرى مَجْراه إذا قُدِّمَ على الفاعلِ وُحِّد. تقول: تَخْشَع أبصارُهم ولا تقولُ: تَخْشَعْن أبصارُهم، وأنشد قولَ الشاعر:
4149 - وشَبابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ ... مِنْ إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَدّْ
وقال آخر:
4150 - يَرْمي الفِجاجَ بها الرُّكبانُ معْتَرِضًا ... أعناقَ بُزَّلِها مُرْخى لها الجُدُلُ
وأمَّا الثانيةُ فجاءَتْ على لغة طَيِّئ يقولون: أكلوني البراغيث.
وقد تقدَّم القولُ في هذا مشبعًا في المائدة والأنبياء. ومثلُه قولُ الآخر:
4151 - بمُطَّرِدٍ لَدْنٍ صِحاح كُعُوبُه ... وذي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوانِسا
وقيل: وجمعُ التكسير في اللغة في مثل هذا أكثرُ من الإِفراد.
وقرأ أُبَيٌّ وعبد الله «خاشعةً» على تَخْشَعُ هي.
وقال الزمخشري: «وخُشَّعًا» على: تخشَعْن أبصارهم، وهي لغةُ مَنْ يقول: أكلوني البراغيث وهم طيئ».
وفي انتصابِ «خاشعًا» و «خُشَّعًا» وخاشعةً أوجهٌ:
أحدُها: أنه مفعولٌ به وناصبُه «يَدْعُ الداع» وهو في الحقيقةِ لموصوفٍ محذوفٍ تقديرهُ: فريقًا خاشعًا، أو فوجًا خاشعًا.
والثاني: أنه حالٌ مِنْ فاعل «يَخْرُجون» المتأخرِ عنه.
ولَمَّا كان العاملُ متصرِّفًا جاز تقدُّمُ الحالِ عليه، وهو رَدٌّ على الجرميِّ حيث زعم أنه لا يجوزُ.
ورُدَّ عليه أيضًا بقول العرب: «شَتَّى تَؤُوب الحَلَبَة» ، ف «شتى» حالٌ من «الحلَبَة»
وقال الشاعر:
4153 - سَريعًا يهون الصَّعْبُ عند أُولي النُّهى ... إذا برجاءٍ صادقٍ قابلوا البأسا
الثالث: أنه حالٌ من الضمير في «عنهم» ولم يذكر مكيٌّ غيره.
الرابع: أنه حالٌ مِنْ مفعولَ «يَدْعُو» المحذوفِ تقديره: يومَ يَدْعوهم الداعي خُشَّعًا، فالعامل فيها «يَدْعو» ، قاله أبو البقاء. وهو تكلُّفُ ما لا حاجةَ إليه.
وارتفع «أبصارهم» على وجهين: إمَّا الفاعلية بالصفةِ قبلَه وهو الظاهرُ، وإمَّا على البدلِ من الضمير المستتر في «خُشَّعًا» لأنَّ التقديرَ: خُشَّعًا هم. وهذا إنما يتأتَّى على قراءةِ «خُشَّعًا» فقط.
وقرِئ «خُشَّعٌ أبصارهم» على أنَّ خشعًا خبرٌ مقدمٌ و «أبصارُهُمْ» مبتدأ. والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ وفيه الخلافُ المذكورُ مِنْ قبلُ كقوله:
4154 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَجَدْتُه حاضِراه الجودُ والكرمُ
قوله: {يَخْرُجُونَ} يجوزُ أنْ يكونَ حالًا من الضمير في «أبصارُهم» ، وأنْ يكونَ مستأنفًا.