فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 2134

وفي قوله: {رَجَعْتُمْ} شيئان: أحدُهما التفاتٌ، والآخرُ الحَمْلُ على المعنى، أمَّا الالتفاتُ: فإنَّ قبلَه «فَمَنْ تَمَتَّعَ» «فَمَنْ لَم يَجِدُ» فجاء بضمير الغَيْبَةِ عائدًا على «مَنْ» ، فلو سيق هذا على نظم الأولِ لقيل: «إذا رجع» بضميرِ الغَيْبَةِ.

وأمَّا الحملُ: فلأنه أتى بضميرِ جمعٍ اعتبارًا بمعنى «منْ» ، ولو راعى اللفظَ لأفردَ، فقال: «رَجَعَ» .

وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} مبتدأ وخبرٌ، والمشارُ إليه هي السبعةُ والثلاثةُ، ومميِّزُ السبعةِ والعشرةِ محذوفٌ للعلمِ به. وقد أثبت تاءَ التأنيثِ في العددِ مع حَذْفِ التمييزِ، وهو أحسنُ الاستعمالَيْنِ، ويجوزُ إسقاطُ التاءِ حينئذٍ، وفي الحديث: «وأَتْبَعَهُ بستٍ من شوال» ، وحكى الكسائي: «صُمْنَا من الشهرِ خمسًا»

وفي قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ} - مع أن من المعلوم أن الثلاثةَ والسبعة عشرة - أقوالٌ كثيرةٌ لأهلِ المعاني.

منها قولُ ابن عرفة: «العرب إذا ذكرت عددين، فمذهبُهم أن يُجملوهما» ، وحَسَّن هذا القولَ الزمخشري بأَنْ قال: «فائدةُ الفَذْلَكَةِ في كل حساب أن يُعْلَمَ العددُ جملةً كام يُعْلَمُ تفصيلًا، لِيُحْتَاط به من جهتين فيتأكَّد العِلمُ.

وفي أمثالهم «علمان خيرٌ من علم»

قال ابن عرفة: «وإنما تَفْعَلُ العربُ ذلك لأنَّها قليلةُ المعرفة بالحساب، وقد جاء: «لا نَحْسُب ولا نكتُب»

وَوَرَدَ ذلك في أشعارِهِم، قال النابغة:

876 -تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفَتُها ... لستةِ أيامٍ وذا العامُ سابعُ

وقال الفرزدق:

877 -ثلاثٌ واثنتان فَهُنَّ خَمْسٌ ... وسادسةٌ تَميلُ إلى شَمَام

وقال الأعشى:

878 -ثلاثٌ بالغَدَاةِ فَهُنَّ حَسْبي ... وسِتٌّ حين يُدْرِكُني العِشاءُ

فذلك تِسْعَةٌ في اليومِ رِيِّي ... وشُرْبُ المرءِ فَوْقَ الرَّيِّ داءُ

وقال آخر:

879 -فَسِرْتُ إليهمُ عِشْرِينَ شهرًا ... وأربعةً فذلك حِجَّتانِ

وعن المبرد: «فتلك عشَرَةٌ: ثلاثةٌ في الحج وسبعةٌ إذا رجعتم فَقَدَّم وأخَّر» .

ومثله لا يَصِحُّ عنه.

وقال ابن الباذش: «جيء بعشرة توطئةً للخبرِ بعدها، لا أنها هي الخبرُ المستقلُّ بفائدةِ الإِسناد كما تقول: «زيدٌ رجل صالح» .

يعني أن المقصودَ الإِخبارُ بالصلاح، وجيء برجلٍ توطئةً، إذ معلومٌ أنه رجل.

وقال الزجاج «جَمَعَ العدَدَيْنِ لجوازِ أن يُظَنَّ أنَّ عليه ثلاثةً أو سبعةً؛ لأنَّ «الواوَ» قد تقوم مَقامَ «أو» ، ومنه: {مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] فأزال احتمالَ التخيير، وهذا إنما يتمشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُقيمون الواوَ مُقامَ «أو» .

وقال الزمخشري: «الواوُ قد تجيء للإِباحةِ في قولِك: «جالس الحسنَ ابن سيرين «ألا ترى أنه لو جالَسَهما معًا أو أحدَهما كان ممتثلاُ فَفُذْلِكَتْ نفيًا لِتَوَهُّم الإِباحة»

قال الشيخ: «وفيه نظرٌ لأنه لا تُتَوَهَّمُ الإِباحه، فإنَّ السياق سياقُ إيجاب، فهو ينافي الإِباحة، ولا ينافي التخييرَ، فإن التخييرَ يكون في الواجبات، وقد ذكر النحويون الفرقَ بين التخييرِ والإِباحةِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت