قوله: {فالحق والحق} : قرأهما العامَّةُ منصوبَيْن.
وفي نصب الأول أوجهٌ، أحدُها: أنه مُقْسَمٌ به حُذِفَ منه حرفُ القسمِ فانتصَبَ كقولِه:
3881 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فذاكَ أمانةَ اللَّهِ الثَّرِيْدُ
وقوله: {لأَمْلأَنَّ} : جوابُ القسم.
والثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراءِ أي: الزموا الحقَّ.
والثالث: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ قولِه: «لأَمْلأَنَّ» .
وأمَّا الثاني فمنصوبٌ بـ «أقولُ» بعدَه. والجملةُ معترضةٌ كما تقدَّم.
وجَوَّزَ الزمخشري أَنْ يكونَ منصوبًا على التكرير، بمعنى أنَّ الأول والثاني كليهما منصوبان بـ أقولُ.
وقرأ عاصم وحمزةُ برفعِ الأولِ ونصبِ الثاني.
فَرَفْعُ الأولِ من أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأ، وخبرُه مضمرٌ تقديرُه: فالحقُّ مني، أو فالحقُّ أنا.
الثاني: أنه مبتدأ، خبرُه «لأملأنَّ» قاله ابن عطية.
قال: «لأنَّ المعنى: أنْ أَمْلأَ» .
الثالث: أنه مبتدأٌ، خبرُه مضمرٌ تقديرُه: فالحقُّ قَسَمي، و «لأملأنَّ» جوابُ القسم كقوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] ولكنَّ حَذْفَ الخبرِ هنا ليسَ بواجبٍ، لأنه ليس نصًا في اليمين بخلافِ لَعَمْرك. ومثلُه قولُ امرئ القيس:
3882 - فقلت يمينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
وأمَّا نصبُ الثاني فبالفعل بعدَه.
وقرأ ابنُ عباس ومجاهد والأعمش برفعهما.
فرفْعُ الأولِ على ما تقدَّم، ورفعُ الثاني بالابتداءِ، وخبرُه الجملةُ بعده، والعائد محذوفٌ كقولهِ تعالى في قراءةِ ابنِ عامر: {وَكُلٌ وَعَدَ الله الحسنى} وقول أبي النجم:
3883 - قد أصبَحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنبًا كلُّه لم أَصْنَعِ
ويجوز أَنْ يرتفعَ على التكريرِ عند الزمخشري وسيأتي.
وقرأ الحسنُ وعيسى بجرِّهما.
وتخريجُها: على أنَّ الأولَ مجرورٌ بواوِ القسم مقدرةً أي: فوالحقِ والحقِ عطفٌ عليه كقولِك: واللَّهِ واللَّهِ لأقومَنَّ، و «أقول» اعتراضٌ بين القسم وجوابِه. ويجوز أَنْ يكونَ مجرورًا على الحكايةِ. وهو منصوبُ المحل بـ «أقولُ» بعده.
قال الزمخشري: «ومجرورَيْن - أي وقُرئا مجرورَيْن - على أنَّ الأولَ مُقْسَمٌ به قد أُضْمِرَ حرفُ قَسَمِه كقولك: «اللَّهِ لأفعَلَنَّ» والحقَّ أقول أي: ولا أقول إلاَّ الحقَّ على حكايةِ لفظ المقسمِ به، ومعناه التوكيدُ والتشديدُ. وهذا الوجهُ جائزٌ في المرفوعِ والمنصوبِ أيضًا، وهو وجهٌ حسنٌ دقيق» انتهى.
يعني أنه أعملَ القولَ في قوله: «والحق» على سبيلِ الحكايةِ فيكونُ منصوبًا بـ «أقول» سواءً نُصِب أو رُفِعَ أو جُرَّ، كأنه قيل: وأقولُ هذا اللفظَ المتقدمَ مُقَيَّدًا بما لُفِظ به أولًا.