فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 2134

قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ} : شرطٌ، وفي جوابه وجهان، أحدهما: أنه قوله: {فانكحوا} ، وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ والعشر ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ} أخذوا يتحرَّجون من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إنْ خفتم من الجَوْر في حقوق اليتامى فخافوا أيضًا من الجَوْر في حقوق النساء فانكِحوا هذا العدد، لأنَّ الكثرة تُفْضي إلى الجور ولا تنفع التوبةُ من ذنبٍ مع ارتكاب مثله.

والثاني: أنَّ الجوابَ قولُه: «فواحَدةً» والمعنى: أن الرجل منهم كان يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلمَّا نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال اليتيم تحرَّجوا من ذلك، فقيل لهم: إنْ خفتم من نكاح النساء اليتامى فانحكوا ما طابَ من الأجنبيات، أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يَحْتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء.

فإن قيل: «فواحدةً» جواب لقوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فكيف يكون جوابًا للأول؟

أُجيب عن ذلك بأنه أعادَ الشرط الثاني، لأنه كالأول في المعنى، لمَّا طال الفصلُ بين الأولِ وجوابِه، وفيه نظرٌ لا يخفى. على متأمله.

والخوف هنا على بابه، فالمراد به الحَذَر، وقال أبو عبيدة: إنه بمعنى اليقين، وأنشد:

1530 - فقلتُ لهم خافوا بألفَي مُدَجَّجٍ ... سَراتُهُم في الفارسي المُسَرَّدِ

أي: أيقِنوا، وقد تقدَّم تحقيق ذلك والردُّ عليه، وأنَّ في المسألة ثلاثة أقوالٍ عند قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: 229] .

قوله: {أَلاَّ تُقْسِطُواْ}

وقرأ الجمهور: «تُقْسطوا» بضم التاء من «أقسط» إذا عدل، فـ «لا» على هذه القراءة نافيةٌ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتم عدم الإِقساط أي: العدل.

وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب بفتحِها من «قسط» ، وفيها تأويلان، أحدهما: أنَّ «قَسَط» بمعنى جار، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أنَّ الرباعي بمعنى عَدَل، والثلاثي بمعنى جار، وكأن الهمزةَ فيه للسَلْبِ، فمعنى «أقسط» أي: أزالَ القسط وهو الجور، و «لا» على هذا القول زائدةٌ ليس إلا، وإلاَّ يفسد المعنى، كهي في قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] .

والثاني: حكى الزجاج: أن «قسط» الثلاثي يُستعمل استعمالَ «أقسط» الرباعي، فعلى هذا تكون «لا» غيرَ زائدة، كهي في القراءة الشهيرة، إلا أنَّ التفرقةَ هي المعروفة لغة.

قال الراغب: «القِسْط» : أن يأخذ قِسْطَ غيرِه، وذلك جَوْرٌ، والإِقساط: أن يُعْطِيَ قِسْطَ غيره، وذلك إنصافٌ، ولذلك يقال: «قَسَط الرجل إذا جار، وأقسط: إذا عَدَل، قال تعالى: {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] ، وقال تعالى: {وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [الحجرات: 9] .

ومن غريبِ ما يحكى أن الحجَّاج لما أَحْضر الحَبْر الشهير سعيد بن جبير، قال له: «ما تقول فِيَّ» ؟ قال: «قاسط عادل» ، فأعجب الحاضرين.

فقال لهم الحجاج: «ويلكم. لم تفهموا عنه، إنه جعلني جائرًا كافرًا، ألم تسعموا قوله تعالى: {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} وقوله تعالى: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] وقد تقدم استيفاءُ الكلام في هذه المادة في قوله: {قَآئِمًَا بالقسط} [آل عمران: 18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت