لا بُدَّ في هذا الكلام من تأويلٍ، إذ الذَمُّ إنما يتوجَّهُ عليهم إذا بَدَّلوا القولَ الذي قيل لهم، لا إذَا بَدَّلوا قولًا غيره، فقيل: تقديرُه: فبدَّل الذين ظلموا بالذي قيل لهم [قولًا غيرَ الذي قِيل لهم] فـ «بَدَّلَ» يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ بنفسِه وإلى آخر بالباءِ، والمجرورُ بها هو المتروكُ والمنصوبُ هو الموجودُ كقولِ أبي النجم:
487 -وبُدِّلَتْ والدهرُ ذو تَبَدُّلِ ... هَيْفًا دَبُورًا بالصَّيا والشَّمْأَلِ
فالمقطوعُ عنها الصَّبا والحاصلُ لها الهَيْفُ، قالَه أبو البقاء.
وقال: «يجوز أن يكونَ «بَدَّل» مَحْمولًا على المعنى تقديره: فقال الذين ظلموا قولًا غيرَ الذي قيلَ لهم، لأنَّ تبديلَ القولِ بقولٍ فنصْبُ «غير» عنده في هذين القولَيْن على النعت لـ «قولًا» .
وقيل: تقديرُه: فَبَدَّل الذينَ ظلموا قولًا بغيرٍ الذي، فَحَذَفَ الحرفَ فانتصَبَ.
ومعنى التبديلِ التغييرُ كأنه قيل: فغيَّروا قولًا بغيره، أي جاؤوا بقولٍ آخرَ مكانَ القولِ الذي أُمِروا به، كما يُرْوى في القصة أنَّهم قالوا بَدَلَ «حِطَّة» حِنْطة في شُعَيْرة.
وقولُه: {عَلَى الذين ظَلَمُواْ} فأعادَهم بذِكْرِهم أولًا، ولم يَقُلْ «عليهم» تنبيهًا على أنَّ ظُلْمَهُم سببٌ في عقابِهم، وهو من إيقاعِ الظاهرِ مَوْقِعَ المُضْمر لهذا الغرض.
وجاء في سورة الأعراف {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} [الأعراف: 133] فجاء هنا بلفظ الإِرسالِ، وبالمضمرِ دونَ الظاهرِ، وذلك أنه تعالى عَدَّد عليهم في هذه السورة نِعَمًا جَسيمةً كثيرةً فكانَ توجيهُ الذمِّ عليهم وتوبيخُهم بكُفرانِها أَبَلَغَ مِنْ ثَمَّ، حيث إنه لم يُعَدِّدْ عليهم هناك ما عَدَّد هنا، ولفظُ الإِنزالِ للعذابِ أبلغُ من لفظِ الإِرسالِ.
والرِّجْزُ: العَذَابُ، وفيه لغةٌ أخرى وهي ضَمُّ الراءِ، وقُرِئ بهما.
قوله: {بما كانوا يفسُقُونْ} وقال في سورة الأعراف: {يَظْلِمُونَ} [الآية: 162] تنبيهًا [على] أنهم جامِعُون بين هذين الوصفينِ القبيحين.