فهرس الكتاب

الصفحة 1876 من 2134

قوله: {إِلاَّ بَلاَغًا} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ منقطعٌ.

أي: لكنْ إنْ بَلَّغْتُ عن اللَّهِ رَحِمني؛ لأنَّ البلاغَ من الله لا يكونُ داخلًا تحت قولِه: {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ، لأنه لا يكونُ مِنْ دونِ اللَّهِ، بل يكونُ من اللَّهِ وبإعانتِه وتوفيقِه.

الثاني: أنه متصلٌ. وتأويلُه: أنَّ الإِجارةَ مستعارةٌ للبلاغِ، إذ هو سببُها، وسببُ رحمتِه تعالى.

والمعنى: لن أجِدَ سببًا أميلُ إليه وأعتصمُ به، إلاَّ أَنْ أُبَلِّغَ وأُطيعَ، فيُجيرَني.

قوله: {مِّنَ الله} فيه وجهان:

أحدهما: أنَّ «مِنْ» بمعنى «عَنْ» ؛ لأنَّ بَلِّغ يتعدَّى بها، ومنه قولُه عليه السلام: «ألا بَلِّغوا عني» والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ «بلاغ» .

قال الزمخشري: «مِن» ليسَتْ صلةً للتبليغ، إنما هي بمنزلةِ «مِنْ» في قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله} [التوبة: 1] بمعنى: بلاغًا كائنًا من الله»

قوله: {وَرِسَالاَتِهِ} فيه وجهان:

أحدُهما: أنها منصوبةٌ نَسَقًا على «بلاغًا» كأنه قيل: لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ التبليغَ والرسالاتِ، ولم يَقُلِ الزمخشريُّ غيرَه.

والثاني: أنها مجرورةٌ نَسَقًا على الجلالةِ أي: إلاَّ بلاغًا عن اللَّهِ وعن رسالاتِه، كذا قَدَّره الشيخُ.

وجَعَلَه هو الظاهرَ. وتجوَّز في جَعْلِه «مِنْ» بمعنى عن، والتجوُّزُ في الحروفِ رأيٌ كوفيٌّ، ومع ذلك فغيرُ منقاسٍ عندَهم.

قوله: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ} العامَّة على كسرِها، جَعَلوها جملةً مستقلة بعد فاءِ الجزاءِ.

وقرأ طلحةُ بفَتْحِها، على أنَّها مع ما في حَيِّزِها في تأويلِ مصدرٍ واقعٍ خبرًا لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: فجزاؤهُ أنَّ له نارَ جهنمَ، أو فحُكْمُه: أنَّ له نارَ جهنَم.

قال ابن خالويه: «سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يقول: لم يَقْرَأْ به أحدٌ، وهو لحنٌ؛ لأنه بعد فاءِ الشرط» .

قال: «وسمعتُ ابنَ الأنباريِّ يقول: هو صوابٌ ومعناه، فجزاؤُه أنَّ له نارَ جهنم» .

قلت: ابنُ مجاهدٍ وإنْ كان إمامًا في القراءاتِ، إلاَّ أنَّه خَفِيَ عليه وجهُها، وهو عجيبٌ جدًا. كيف غَفَلَ عن قراءتَيْ {فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} في الأنعام [الآية: 54] ، لا جرم أنَّ ابنَ الأنباريِّ اسْتَصْوَبَ القراءةَ لِطُولِ باعِه في العربية.

قوله: {خَالِدِينَ} حالٌ من الهاء في «له» ، والعاملُ الاستقرارُ الذي تَعَلَّقَ به هذا الجارُّ، وحَمَلَ على معنى «مَنْ» فلذلك جَمَعَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت