وقد تَقَدَّمَ في سورة الحج: أنَّ الأخَوَيْن وحفصًا قرؤُوا هنا «سواءً» بالنصب، والباقون
بالرفع، ووَعَدْتُ بالكلام عليه هنا، فأقول وبالله التوفيق: أمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أَنْ تَنْتَصِبَ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في الجارِّ والمجرورِ وهما: «كالذين آمنوا» ، ويكونُ المفعولُ الثاني للجَعْل «كالذين آمنوا» أي: أحَسِبوا أَنْ نَجْعَلَهم مثلَهم في حالِ استواءِ مَحْياهم ومماتِهم ليس الأمرُ كذلك.
الثاني: أَنْ يكونَ «سواءً» هو المفعولَ الثاني للجَعْل، و «كالذين» في محلِّ نصبٍ على الحال أي: لن نجعلَهم حالَ كونِهم مثلَهم سواءً، وليس معناه بذاك.
الثالث: أَنْ يكونَ «سواءً» مفعولًا ثانيًا لـ «حَسِب» .
ومَنْ قرأ بالرفع فتحتمل قراءتُه وجهَيْن:
أحدهما: أَنْ يكونَ «سواءٌ» خبرًا مقدمًا. و «مَحْياهم» مبتدأً مؤخرًا ويكون «سواء» مبتدأً و «مَحْياهم» خبرَه.
كذا أعربوه. وفيه نظرٌ تقدَّم في سورة الحج وهو: أنَّه نكرةٌ لا مُسَوِّغ فيها، وأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جَعَلْتَ النكرةَ خبرًا لا مبتدأً.
ثم في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّها استئنافية.
والثاني: أنها بدلٌ من الكافِ الواقعةِ مفعولًا ثانيًا.
الثالث: أن تكونَ الجملةُ حالًا، التقدير: أم حَسِبَ الكفار أَنْ نُصَيِّرهم مثلَ المؤمنين في حالِ استواءِ محياهم ومماتِهم، ليسوا كذلك بل هم مُفْترقون.
وقرأ الأعمشُ «سواءً» نصبًا «مَحْياهم ومَماتَهم» بالنصب أيضًا.
فأمَّا «سواءً» فمفعولٌ ثانٍ أو حالٌ كما تقدَّم.
وأمَّا نصب «مَحْياهم ومماتَهم» ففيه وجهان:
أحدهما: أَنْ يكونا ظَرْفَيْ زمانٍ، وانتصبا على البدلِ مِنْ مفعولِ «نَجْعَلَهم» بدلِ اشتمال، ويكون «سواءً» على هذا هو المفعولَ الثاني.
والتقدير: أن نجعلَ محياهم ومماتَهم سواءً.
والثاني: أَنْ ينتصِبا على الظرفِ الزمانيِّ. والعاملُ: إمَّا الجَعْلُ أو سواء.
والتقدير: أَنْ نجعلَهم في هذَيْن الوقتَيْن سواءً، أو نجعلَهم مُسْتَوِين في هذين الوقتين.
والضميرُ في «مَحْياهم ومماتُهم» يجوزُ أَنْ يعودَ على القَبِيْلَيْنِ بمعنى: أنَّ مَحْيا المؤمنين ومماتَهم سواءٌ عند الله في الكرامةِ، ومَحْيا المجترحين ومماتَهم سواءٌ في الإِهانةِ عنده، فَلَفَّ الكلام اتِّكالًا على ذِهْنِ السَّامع وفهمِه. ويجوزُ أَنْ يعودَ على المُجْترحين فقط. أَخْبَرَ أَنَّ حالَهم في الزمانَيْن سواءٌ.
قال أبو البقاء: «ويُقْرَأُ «مَماتَهم» بالنصب أي: في مَحْياهم ومماتَهم.