قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} قراءةُ العامَّةِ بالنصبِ على أنه مفعولُ مقدمٌ، وهي مرسومةٌ في مصاحفِهم «وكلًا» بألفٍ، وابنُ عامر برفعِه، وفيه وجهان:
أظهرُهما: أنه ارتفعَ على الابتداءِ، والجملة بعدَه خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: وعده اللهُ.
ومثلُه:
4231 - قد أصبحَتْ أمُّ الخِيار تَدَّعِي ... عليَّ ذَنْبًا كلُّه لم أَصْنَعِ
برفع «كلُّه» ، أي: لم أَصْنَعْه. والبصريُّون لا يُجيزون هذا إلاَّ في شعرٍ كقولِه:
4232 - وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا ... بالحقِّ لا يُحْمَدُ بالباطلِ
وقد نقل ابن مالك الإِجماعَ من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إنْ كان المبتدأ «كلًا» أو ما أشبهَها في الافتقار والعمومِ، وهذا لم أَرَه لغيره.
وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ ذلك في سورة المائدةِ عند قولِه: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} [المائدة: 50] ولم يُرْوَ قولُه: «كلُّه لم أصنَع» إلاَّ بالرفعِ مع إمكانِ أَنْ ينصبَه فيقول: «كلَّه لم أصنعِ» مفعولًا مقدَّمًا.
قال أهل البيان: لأنه قصد عمومَ السلبِ لا سَلْبَ العمومِ، فإن الأولَ أبلغُ، وجعلوا من ذلك قولَه عليه السلام: «كل ذلك لم يكنْ»
ولو قال: «لم يكن كلُّ ذلك» لكان سَلْبًا للعُموم، والمقصودُ عمومُ السَّلْب.
والثاني: أن يكونَ «كل» خبَر مبتدأ محذوفٍ، و {وَعَدَ الله الحسنى} صفةٌ لما قبله، والعائدُ محذوف، أي: وأولئك كلٌّ وعدَه اللهُ الحسنى.
فإن قيل: الحذفُ موجودٌ أيضًا وقد عُدْتم لِما فرَرْتُمْ منه؟
فالجوابُ: أنَّ حَذْفَ العائدِ من الصفة كثيرٌ بخلاف حَذْفِه من الخبرِ.
ومِنْ حَذْفِه من الصفة قولُه:
4233 - وما أَدْري أغَيَّرهم تَناءٍ ... وطولُ العَهْدِ أم مالٌ أصابوا
أي أصابوه، ومثله كثيرٌ.
وهي في مصاحفِ الشامِ مرسومةٌ «وكلٌّ» بدون ألف، فقد وافق كلٌّ مصحفَه. و «الحُسْنى» مفعولٌ ثانٍ، والأولُ محذوفٌ على قراءةِ الرفعِ، وأمَّا النصبُ فالأولُ مقدَّمٌ على عامِله.