قوله: {ادارك} : قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ونافع «أَدْرَكَ» كأَكْرم.
والباقون من السبعةِ «ادَّارك» بهمزةِ وَصْلٍ، وتشديدِ الدالِ المفتوحةِ، بعدها ألفٌ.
وقراءةُ ابنِ كثير قيل: تَحْتمل أن يكونَ أَفْعَلُ فيها بمعنى تَفاعَلَ فتَتَّحِدَ القراءتان.
وقيل: أَدْرَكَ بمعنى بَلَغَ وانتهى.
وقرأ سليمان وعطاء ابنا يَسار «بلَ ادَّرَكَ» بفتحِ لامِ «بل» وتشديد الدالِ دونَ ألفٍ بعدَها.
وتخريجُها: أنَّ الأصلَ ادَّرك على وزن افْتَعَل فأُبْدِلَتْ تاءُ الافتعالِ دالًا لوقوعِها بعد الدال.
وقرأ أبو رجاءٍ وشيبةٌ والأعمشُ والأعرجُ وابنُ عباس، وتروى عن عاصم كذلك، إلاَّ أنَّه بكسرِ لام «بل» على أصلِ التقاءِ الساكنين، فإنهم لم يَأْتوا بهمزةِ استفهامٍ.
وقرأ عبد الله وابن عباس والحسن وابن محيصن «أادْرَكَ» بهمزةٍ ثم ألفٍ بعدَها. وأصلُها همزتان أُبْدِلَتْ ثانيتُهما ألفًا تخفيفًا. وأنكرها أبو عمرٍو.
وقرأ ابنُ مسعودٍ «بل أَأَدْرَكَ» بتحقيقِ الهمزتين.
وقرأ ورش في رواية «بلَ ادْرَكَ» بالنقل.
وقرأ ابنُ عباس أيضًا «بلى ادْرَك» بحرف الإِيجاب أختِ نَعَم. و «بَلى آأَدْرك» بألفٍ بين الهمزتين.
وقرأ أُبَيٌّ ومجاهد «أم» بدلَ «بل» وهي مخالفةٌ للسَّواد.
قوله: {فِي الآخرة} فيه وجهان:
أحدُهما: أنَّ «في» على بابها و «أَدْرَك» وإن كان ماضيًا لفظًا فهو مستقبلٌ معنىً؛ لأنه كائنٌ قطعًا كقوله: {أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1] وعلى هذا فـ «في» متعلقٌ بـ «ادَّاركَ» .
والثاني: أنَّ «في» بمعنى الباء أي بالآخرة. وعلى هذا فيتعلَّق بنفسِ عِلْمِهم كقولِك: «عِلْمي بزيدٍ كذا» .
وأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ «بلى» فقال الزمخشري: «لَمَّا جاء بـ «بلى» بعد قولِه: {وَمَا يَشْعُرُونَ} كان مَعْناه: «بلى يَشْعْرون» ثم فَسَّر الشعورَ بقولِه {أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} على سبيلِ التهكمِ الذي معناه المبالغةُ في نَفْي العلمِ» ثم قال: و «أمَّا قراءةُ «بلى أَأَدْرك» على الاستفهامِ فمعناه: بلى يَشْعُرون متى يُبْعثون.
ثم أنكر علمَهم بكونِها، وإذا أنكر علمَهم بكونِها لم يتحصَّلْ لهم شعورٌ بوقتِ كونِها؛ لأنَّ العلمَ بوقتِ الكائنِ تابعٌ للعلم بكونِ الكائنِ»
ثم قال: «فإنْ قلتَ ما معنى هذه الإِضراباتِ الثلاثةِ؟ قتل: ما هي إلاَّ تنزيلٌ لأحوالِهم، وَصَفَهم أولًا بأنهم لا يَشْعُرون وقتَ البعثِ ثم بأنَّهم لا يعلمون أنَّ القيامةَ كائنةٌ ثم بأنَّهم يَخْبِطُون في شكٍّ ومِرْيَة» . انتهى.
فإنْ قِيل: «عَمِيَ» يتعدى بـ «عَنْ» تقول: عَمِيَ فلانٌ عن كذا فلِمَ عُدِّيَ بـ «مِنْ» في قولِه: «مِنْها عَمُوْن» ؟
فالجوابُ: أنه جَعَلَ الآخرةَ مَبْدأ عَماهم ومَنْشَأَه.