قوله تعالى: {بِحَبْلٍ} : الحَبْلُ في الأصل هو السبَبُ، وكلُّ ما وصلك إلى شيء فهو حَبْل، وأَصلُه في الأجرام واستعمالُه في المعاني من باب المجاز، ويجوزُ أن يكونَ حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكونَ من بابِ التمثيل، ومن كلامِ الأنصار رضي الله عنهم: «يا رسول الله إنَّ بيننا وبين القوم حبالًا ونحن قاطِعوها» يَعْنُون العهود والحِلْف.
والمرادُ بالحبل هنا القرآنُ، وفي الحديثِ الطويل: «هو حَبْلُ الله المتين» .
قوله: {فَأَصْبَحْتُمْ} أصبحَ من أخواتِ «كان» فإذا كانَتْ ناقصة كانت مثلَ «كان» في رفعِ الاسمِ ونَصْبِ الخبر، وإذا كانَتْ تامةً رفَعَتْ فاعلًا واستغنَتْ به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: «أصبحَ زيد» أي دخل في الصباح، ومثلُها في ذلك «أمسى» ، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وقوله: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137]
وتكون بمعنى «صار» عملًا ومعنى كقوله:
1373 - فَأَصْبحوا كأنَّهم ورقٌ جَفْ ... فَ فَأَلْوَتْ به الصَّبا والدَّبُورُ
أي: صاروا.
وجَوَّزوا فيها هنا أن تكون على بابِها من دلالتِها على اتِّصاف الموصوفِ بالصفة في وقت الصباح، وأن تكون بمعنى صار، وأن تكون التامة، أي: دخلتم في الصباح.
قال ابن عطية: «فأصبحتم» عبارةٌ عن الاستمرار، وإن كانت اللفظة مخصوصةً بوقت.
وإنما خُصَّتْ هذه اللفظةُ بهذا المعنى من حيث هي مبدأُ النهار، وفيها مبدأُ الأعمالِ، فالحالُ التي يُحِسُّها المرءُ مِنْ نفسه فيها هي التي يستمر عليها يومُه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع:
1374 - أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السِّلاح ولا ... أَمْلِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نفرا
قال الشيخ: «وهذا الذي ذكره مِنْ أَنَّ «أصبح» للاستمرار، وعَلَّله بما ذكره لم أَرَ أحدًا من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أنها تستعمل بالوجهين اللذيْنِ ذكرناهما»
قلت: وهذا الذي ذكره ابنُ عطية معنىً حسنٌ، وإذا لم ينصَّ عليه النحويون لا يُدْفَعُ، لأَنَّ النحاةَ غالِبًا إنما يتحدثون بِما يتعلَّقُ بالألفاظ، وأمَّا المعاني المفهومةُ من فحوى الكلامِ فلا حاجةَ لهم بالكلامِ عليها غالبًا.