وقوله: {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر} جملةُ حاليةٌ، وفي موضع آخرَ {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر} [مريم: 8] لأنَّ ما بَلَغَكَ فقد بَلَغْتَه.
وقيل: لأنَّ الحوادثَ تَطْلُب الإِنسانَ.
وقيل: هو من المَقْلوب كقوله:
1264 - مثلُ القنافِذِ هَدَّاجون قد بَلَغَتْ ... نجرانُ أو بُلِّغَتْ سَوْءاتِهِمْ هَجَرُ
ولا حاجةَ إليه.
وقدَّم في هذه السورة حالَ نفسه، وأخَّر حالَ امرأته، وفي مريم عَكَس، فقيل: صدرُ الآيات في مريم مطابِقٌ لهذا التركيبِ لأنه قَدَّمَ وَهْنَ عظمِه واشتعالَ شَيْبِه وخِيفَةَ مواليهِ من ورائه، وقال: {وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا} فلمَّا أعَاد ذِكْرهما في استفهامٍ آخر ذَكَر الكِبَر ليوافِق «عِتِيًَّا» رؤوسَ الآي، وهو باب مقصود في الفصاحة، والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيبًا زمانيًا، فلذلك لم يُبالَ بتقديم ولا تأخير.
والغلامُ: الفتيُّ السنِّ من الناسِ وهو الذي. . . شاربُه، وإطلاقُه على الطفلِ وعلى الكهلِ مجاز، أمَّا الطفلُ فللتفاؤل بما يَؤُول إليه، وأمَّا الكهلُ فباعتبارِ ما كانَ عليه. قالت ليلى الأخيلية:
1265 - شَفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها ... غلامٌ إذا هَزَّ القناةَ شَفاها
وقال بعضُهم: ما دام الولدُ في بطن أمه سُمِّي «جنينًا» . قال تعالى: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} [النجم: 32] ، سُمِّي بذلك لاجتنانِه في الرَّحمِ، فإذا وُلِد سُمِّي «صبيًا» فإذا فُطِمَ سُمِّي «غُلامًا» إلى سبع سنين، ثم سُمِّي يافعًا إلى أن يَبْلُغَ عشر سنين، ثم يُطْلق عليه «حزَوَّر» إلى خمس عشرة، ثم يصير «قُمُدًَّا» إلى خمسٍ وعشرين سنة، ثم، «عَنَطْنَطَا» إلى ثلاثين قال:
1266 - وبالجَعْدِ حتى صارَ جَعْدًا عَنَطْنَطًا ... إذا قامَ ساوى غاربَ الفحلِ غارِبُهْ
ثم «حُمُلا» إلى أربعين ثم «كَهْلًا» إلى خمسين، ثم «شيخًا» إلى ثمانين ثم «هَمٌّ» بعد ذلك.
واشتقاق الغُلام من الغُلْمة والاغتِلام، وهو طَلَبُ النكاح، لَمَّا كان مسبَّبًا عنه أُخِذَ منه لفظُه، ويقال: «اغتَلَم الفحلُ» أي: اشتدَّتْ شهوتُه إلى طَلَبِ النكاح، واغتلَم البحر أي: هاجَ وتلاطَمَتْ أمواجه مستعار منه.