والملأ: الأشْرافُ، سُمُّوا بذلك لأنهم يَمْلَؤُون العيونَ هيبةً، أو المجالسَ إذا حَضَروا، أو لأنهم مَليئون بما يُحْتاج إليهم فيه. وقال الفراء: «الملأُ: الرجالُ في كلِّ القرآن، وكذلك القومُ والرهطُ والنفرُ، ويُجْمع على أَمْلاء، قال:
1019 - وقالَ لها الأملاءُ من كلِّ مَعْشَرٍ ... وخيرُ أقاويل الرجالِ سديدُها
وهو اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظه كالقومِ والرهطِ.
قوله: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ}
واعلم أنَّ مدلولَ «عسى» إنشاءٌ لأنها للترجي أو للإِشفاق، فعلى هذا: فكيف دَخَلَتْ عليها «هل» التي تقتضي الاستفهامَ؟
فالجوابُ أن الكلامَ محمولٌ على المعنى.
قال الزمخشري: «والمعنى: هل قارَبْتم ألاَّ تقاتلوا، يعني: هل الأمرُ كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون، أراد أن يقولَ: عَسَيْتُم ألاَّ تقاتلوا، بمعنى أتوقَّعُ جبنَكم عن القتالِ، فأدخلَ «هل» مستفهمًا عما هو متوقعٌ عنده ومَظْنونٌ، وأرادَ بالاستفهام التقريرَ، وثَبَتَ أنّ المتوقَّع كائنٌ وأنه صائبٌ في توقعه، كقوله تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} [الإنسان: 1] معناه التقريرُ».
وهذا من أَحسنِ الكلامِ، وأحسنُ مِنْ قول مَنْ زعم أنها خبرٌ لا إنشاءٌ، مُسْتَدِلًا بدخولِ الاستفهام عليها، وبوقوعِها خبرًا لإنَّ في قوله:
1020 - لا تُكْثِرَنْ إني عَسَيْتُ صائمًا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا لا دليلَ فيه لأنه على إضمار القولِ كقوله:
1021 - إنَّ الذين قَتَلْتُمْ أمسِ سيِّدَهمْ ... لا تَحْسَبُوا ليلَهم عن ليلكِم ناما
ولذلك لا توصلُ بها الموصولات خلافًا لهشام.
قوله: {إِلاَّ قَلِيلًا} نصبٌ على الاستثناء المتصلِ من فاعل «تَوَلَّوا» والمستثنى لا يكونُ مبهمًا، لو قلت: «قام القومُ إلا رجالًا» لم يَصِحَّ.
وإنما صَحَّ هذا لأنَّ «قليلًا» في الحقيقةِ صفةٌ لمحذوفٍ، ولأنه قد تَخَصَّص بوصفِه بقولِه: «منهم» ، فَقَرُبَ من الاختصاصِ بذلك.