قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} : في «أُجيب» وجهانِ أحدُهما: أنها جملةٌ في محلِّ رفع صفةً لـ «قَرِيبٌ» والثاني أنها خبرٌ ثانٍ لإِنِّي، لأنَّ «قريب» خبرٌ أولُ.
ولا بُدَّ من إضمارِ قولٍ بعدَ فاء الجزاء تقديرُه: فَقُلْ لهم إني قَرِيبٌ.
وإنما احتُجْنا إلى هذا التقديرِ لأنَّ المترتِّب على الشرط الإِخبارُ بالقُرْبِ.
وجاء قولُه «أجيب» مراعاةً للضميرِ السابقِ على الخبرِ، ولم يُراعَ الخبرُ فيقالُ: «يُجيبُ» بالغَيْبَة مراعاةً لقولِه: «قريبٌ» لأنَّ الأَشهَر من طريقتي العرب هو الأولُ، كقوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] وفي أخرى {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] ، وقولِ الشاعر:
853 -وإنَّا لَقَوْمٌ ما نرى القَتْلَ سُبَّةً ... إذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ
ولو راعى الخبر لقال: «مَا يَرَوْنَ القَتْلَ» .
وفي قوله: {عَنِّي} و «إنِّي» التفاتٌ من غَيْبَة إلى تَكَلُّمٍ، لأنَّ قبلَه، «ولتُكَّبِّروا الله» والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ.
والكافُ في «سألَكَ» للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنْ لم يَجْرِ لَه ذكْرٌ، إلاَّ أنَّ قولَه: {أُنْزِلَ فِيهِ القرآن} يَدُلُّ عليه، لأنَّ تقديره: «أُنْزِلَ فيه القرآنُ على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وفي قوله: «فإني قريب» مجازٌ عن سرعةِ إجابته لدعوةِ داعيه، وإلاَّ فهو متعالٍ عن القُرْبِ الحس لتعاليه عن المكان، ونظيرُه: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد} [ق: 16] ، «هو بَيْنَكم وبين أَعْنَاق رواحلِكم» .
قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} في الاستفعالِ هنا قولان:
أحدُهما: أنَّه للطلب على بابِه، والمعنى: فَلْيَطْلبُوا إجابتي قاله ثعلب.
والثاني: أنه بمعنى الإِفعال، فيكون استفعل وأَفْعَل بمعنىً، وقد جاءَتْ منه ألفاظٌ نحو: أقرَّ واستقرَّ؛ وأبَلَّ المريضُ واسْتَبَلَّ، وأحصدَ الزرعُ واستحصد، واستثار الشيء وأثارَه، واستعجله وأَعْجَله، ومنه استجابَهُ وأجَابَهُ، وإذا كان استفعل بمعنى أَفْعَل فقد جاء متعدِّيًا بنفسه وبحرف الجرِّ، إلا أنه لـ يَرِدْ في القرآن إلاَّ مُعَدَّىً بحرف الجرِّ نحو: {فاستجبنا لَهُ} [الأنبياء: 84] فاستجاب لَهُمْ»، ومِنْ تعدِّيه بنفسِه قوله:
854 -وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْه عند ذاك مُجيبُ
ولقائلٍ أن يقولَ: يَحْتَمِلُ هذا البيتُ أَنْ يكونَ مِمَّا حُذِفَ منه حرفُ الجر.
واللامُ لامُ الأمر، وفَرَّق الرماني بين أَجاب واستجاب: بأنَّ «استجاب» لا يكون إلا فيما فيه قبول لِما دُعِي إليه نحو: {فاستجبنا لَهُ} [الأنبياء: 76] {فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195]
وأمَّا «أجاب» فأعمُّ لأنه قد يُجيب بالمخالفة، فَجَعَل بينهما عمومًا وخصوصًا.