والضميرُ في «تَلْقَوه» فيه وجهان، أظهرُهما: عَوْدُه على الموت، والثاني: عَوْدُه على العدوِّ، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ لدلالةِ الحالِ عليه.
والجمهور على كسر اللام من «قبل» ؛ لأنها معربةٌ لإِضافتِها إلى أَنْ وما في حَيِّزها أي: مِنْ قبل لقائِه.
وقرأ مجاهد بن جبر: «من قبلُ» بضم اللام وقطعها عن الإِضافة كقوله: {لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} [الروم: 4] ، وعلى هذا فـ «أَنْ» وما في حَيِّزها في محلِّ نصب على أنها بدلُ اشتمال من الموت أي:
تَمَنَّون لقاء الموتِ كقولك: «رَهَبْتُ العدوَّ لقاءَه» .
وقرأ الزهري والنخعي: «تُلاقُوه» ومعناه معنى «تَلْقَوه» لأن «لَقِي» يستدعي أن يكونَ بين اثنين عادةً وإنْ لم يكن على المفاعلة.
قوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} الظاهرُ أن الرؤيةَ بصريةٌ فتكفي بمفعول واحد، وجَوَّزوا أن تكونَ عِلْمية فتحتاجَ إلى مفعول ثان هو محذوف أي: فقد علمتموه حاضرًا أي: الموت، إلاَّ أنَّ حَذْفَ أحد المفعولين في باب «ظن» ليس بالسهل، حتى إنَّ بعضَهم يَخُصُّه بالضرورة كقول عنترة:
1451 - وَلَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَه ... مِنِّي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
أي: فلا تَظُنِّي غيرَه واقعًا مني.
قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} يجوزُ أَنْ تكونَ حاليةً، وهي حالٌ مؤكدة رَفَعَتْ ما تحتملُه الرؤيةُ من المجاز أو الاشتراك، أي: بينهما وبين رؤية القلب، ويجوزُ أن تكونَ مستأنفةً، بمعنى: وأنتم تنظرون في فِعْلِكم الآن بعد انقضاءِ الحرب هل وَفَّيْتُم أو خالَفتم؟ وقال ابن الأنباري: «رأيتموه» أي: قابَلْتُموه وأنتم تنظُرون بعيونكم، ولهذه العلةِ ذَكَرَ النظرَ بعد الرؤية حين اختلف معناهما، لأنَّ الأولَ بمعنى المقابلة والمواجهة، والثاني: بمعنى رؤيةِ العين»
وهذا غيرُ معروفٍ عند أهل اللسان، أعني إطلاقَ الرؤيةِ على المقابلة والمواجهة، وعلى تقدير صحتِه فتكونُ الجملةُ من قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملةً حاليةً مبينِّة لا مؤكدةً؛ لأنها أفادَتْ معنىً زائدًا على معنى عاملها، ويجوز أن يُقَدَّر لـ «ينظرون» مفعولًا، ويجوز ألاَّ يُقَدَّر، إذ المعنى: وأنتم من أهل النظر. واللهُ تعالى أعلمُ ولله الحمد والمِنَّة.