فهرس الكتاب

الصفحة 1394 من 2134

قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا} : في «ثم» هذه أوجهٌ:

أحدها: أنها على بابها من الترتيب بمُهْلة، وذلك أنه يُرْوى أنه تعالى أخرجَنا من ظهرِ آدمَ كالذَّرِّ ثم خَلَق حواءَ بعد ذلك بزمانٍ.

الثاني: أنها على بابها أيضًا ولكنْ لمَدْركٍ آخرَ: وهو أن يُعْطَفَ بها ما بعدها على ما فُهِم من الصفة في قولِه: «واحدة» إذ التقدير: من نفسٍ وَحَدَتْ أي انفَرَدَتْ ثم جَعَلَ منها زَوْجَها.

الثالث: أنَّها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجوديِّ كأنه قيل: كان مِنْ أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجَها.

الرابع: أنها للترتيبِ في الأحوالِ والرُّتَبِ.

قال الزمخشري: «فإنْ قلت: وما وجهُ قولِه: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وما يُعطيه من التراخي؟

قلت: هما آيتان من جملةِ الآياتِ التي عَدَّدها دالاًّ على وحدانيَّتِه وقُدْرَتِه بتشعيب هذا الخلقِ الفائتِ للحَصْرِ من نفسِ آدمَ عليه السلام وخَلْقِ حواء من قُصَيْراه، إلاَّ أَن إحداهما جعلها اللَّهُ عادةً مستمرةً، والأخرى لم تَجْرِ بها العادةُ ولم تُخْلَقْ أنثى غيرُ حواءَ من قُصيرى رجلٍ، فكانَتْ أَدخلَ في كَوْنها آيةً وأَجْلَبَ لعَجَبِ السامعِ، فعطفَها بـ «ثم» على الآية الأولى للدلالةِ على مباينَتِها فضلًا ومزيةً، وتراخيها عنها فيما يرجِعُ إلى زيادةِ كونِها آيةً فهي من التراخي في الحالِ والمنزلةِ لا من التراخي في الوجودِ.

قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام} عطف على «خَلَقَكم» ، والإِنزالُ يَحتمل الحقيقةَ.

يُرْوى أنه خَلَقها في الجنةِ ثم أَنْزَلَها، ويُحتملُ المجازُ، وله وجهان:

أحدهما: أنها لم تَعِشْ إلاَّ بالنبات والماء، والنباتُ إنما يعيش بالماء، والماءُ يَنْزِلُ من السحاب أطلق الإِنزالَ عليها وهو في الحقيقةِ يُطْلَقُ على سببِ السببِ كقولِه:

3885 - أَسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابَهْ ...

وقوله:

3886 - صار الثريدُ في رُؤوسِ العِيْدانْ ...

وقوله:

3887 - إذا نَزَل السماءُ بأرضِ قَوْمٍ ... رَعَيْناه وإنْ كانوا غِضابا

والثاني: أنَّ قضاياه وأحكامَه مُنَزَّلَةٌ من السماءِ من حيث كَتْبُها في اللوحِ المحفوظِ، وهو أيضًا سبَبٌ في إيجادِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت