قوله: {أفترى} : هذه همزةُ استفهامٍ. وحُذِفَتْ لأجلها همزةُ الوصل، فلذلك تَثْبُتُ هذه الهمزةُ وصلًا وابتداءً. وبهذه الآيةِ استدلَّ الجاحظُ على أنَّ الكلامَ ثلاثةُ أقسامٍ: صدقٍ، كذبٍ، لا صدقٍ ولا كذبٍ.
ووَجْهُ الدلالةِ منه على القسمِ الثالث أنَّ قولَه: {أَم بِهِ جِنَّةٌ} لا جائزٌ أن يكون كذبًا لأنه قسيمُ الكذبِ، وقسيمُ الشَيءِ غيرُه، ولا جائزٌ أن يكون صِدْقًا لأنهم لم يعتقدوه، فثبت قسمٌ ثالث.
وقد أجيب عنه بأن المعنى: أم لم يَفْتَرِ. ولكن عَبَّر عن هذا بقولهم {أَم بِهِ جِنَّةٌ} لأن المجنونَ لا افتراءَ له.
والظاهرُ في «أم» هذه متصلةٌ؛ لأنها تتقدَّرُ بأي الشيئين.
ويجابُ بأحدِهما، كأنه قيل: أيُّ الشيئين واقعٌ: افتراؤه الكذبَ أم كونُه مجنونًا؟
ولا يَضُرُّ كونُها بعدها جملةٌ؛ لأنَّ الجملةَ بتأويلِ المفردِ كقوله:
3721 - لا أُبالي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ ... أم جفاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ