فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 2134

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ} : الكافُ فيها الوجهانِ المشهوران كما تقدَّم ذلك غيَر مرةٍ، وهما: إمَّا النصبُ على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أو على الحالِ من المصدرِ المحذوفِ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطًا جَعْلًا مثلَ ذلك ولكنَّ المشارَ إليه بـ «ذلك» غيرُ مذكورٍ فيما تقدَّم.

وإنما تقدَّم ما يَدُلُّ عليهِ.

واختلفوا في «ذلك» على خمسةِ أوجهٍ:

أحدها أنَّ المشارَ إليه هو الهدفُ المدلولُ عليه بقولِ: {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطًا مثلَ ما هَدَيْناكم.

الثاني: أنه الجعلُ، والتقديرُ: جَعَلْناكم أمةً وسطًا مثلَ ذلك الجعلِ الغريبِ الذي فيه اختصاصُكم بالهدايةِ.

الثالث: قيل: المعنى كما جَعَلْنا قِبْلَتَكم متوسطةً جَعَلْناكم أمةً وسطًا.

الرابع: قيل: المعنى كما جعلنا القِبْلة وسطَ الأرضِ جَعَلْناكم أمةً وسطًا.

الخامس: - وهو أبْعَدُها - أنَّ المشارَ إليه قولُه: {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} أي: مثلُ ذلك الاصطفاءِ جَعَلْناكم أمةً وسطًا.

و «جَعَل» بمعنى صَيَّر، فيتعدَّى لاثنين، فالضميرُ مفعولٌ أولُ، و «أمةً» مفعولٌ ثانٍ و «وسَطًا» نعتُه. والوسَطُ بالتحريكِ: اسمٌ لما بينَ الطرفَيْن، ويُطْلَقُ على خِيارِ الشيءِ لأن الأوساطَ محميَّةٌ بالأطراف قال حبيب:

752 -كانَتْ هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَتْ ... بها الحوادثُ حتى أَصْبَحَتْ طَرَفا

ووسَطُ الوادي خيرُ موضعٍ فيه، قالَ زهير:

753 -هُمُ وسَطٌ تَرْضى الأنامُ بحُكْمِهِمْ ... إذا نَزَلَتْ إحدى الليالي بمُعْظَمِ

وقوله:

754 -وكُنْ من الناسِ جميعًا وسَطَا ...

وفَرَّق بعضُهم بين وسَط بالفتح ووسْط بالتسكين، فقال: كلُّ موضع صَلَح فيه لفظُ «بَيْنَ» يقال بالسكون وإلا فبالتحريك. فتقول: جَلَسْتُ وسْطَ القومِ بالسكون.

قوله: «لتكونوا» يجوز في هذه اللامِ وجهان، أحدهما: أن تكونَ لام «كي» فتفيدَ العلة.

والثاني أن تكونَ لامَ الصيرورةِ، وعلى كلا التقديرين فهي حرفُ جر، وبعدَها أَنْ مضمرةٌ، وهي وما بعدَها في محلِّ جر، وأتى بـ «شهداء» جمعَ شهيدٍ الذي يَدُلُّ على المبالغةِ دونَ شاهِدين وشهود جمعَيْ شاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت