قرأ ابن عباس: «فتنفخُها» بحذف حرف الجر اتساعًا. والجمهور: «فتكونُ» بالتاء منقوطةً فوق، وأبو جعفر منقوطةً تحتُ، أي: فيكونُ المنفوخ فيه.
والضمير في «فيها» قال ابن عطية: «اضطربت فيه أقوال المفسرين»
قال مكي: «هو في آل عمران عائدةٌ على الطائر، وفي المائدة عائدٌ على الهيئة»
قال: «وَيصِحُّ عكس هذا» .
وقال غير مكي: «الضمير المذكور عائد على الطين» .
قال ابن عطية: «ولا يَصِحُّ عودُ هذا الضمير على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة، لأنَّ الطير أو الطائر الذي يَجِيء الطين على هيئته لا يُنْفَخُ فيه ألبتَّةَ، وكذلك لا نفخَ في هيئته الخاصة به، وكذلك الطينُ إنما هو الطينُ العام ولا نفخَ في ذلك» .
وقال الزمخشري: «ولا يَرْجِعُ الضميرُ إلى الهيئةِ المضافِ إليها لأنها ليست مِنْ خَلْقِه ولا مِنْ نفخِه في شيء، وكذلك الضميرُ في «فتكون»
ثم قال ابن عطية: «والوجهُ عودُ ضمير المؤنث على ما تقتضيه الآيةُ ضرورةً أي: صورًا أو أشكالًا أو اجسامًا، وعودُ الضميرِ المذكِّر على المخلوقِ المدلولِ عليه بـ «تخلقُ» ثم قال: «ولك أن تعيدَه على ما تَدُلُّ عليه الكاف من معنى المثل لأنَّ المعنى: وإذ تَخْلُق من الطينِ مثلَ هيئِته، ولك أن تعيدَه على الكاف نفسِها فتكونَ اسمًا في غيرِ الشعر» انتهى.
وهذا القولُ هو عينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضًا بمعنى مِثْل، وكونُها اسمًا في غير الشعرِ لم يَقُلْ به غيرُ الأخفش.
استشكل الناسُ قولَ مكي المتقدم كما قَدَّمْتُ حكايتَه عن ابن عطية، ويمكنُ أَنْ يُجابَ عنه بأنَّ قولَه «عائدٌ على الطائر» لا يريدُ به الطائر الذي أُضيفت إليه الهيئةُ بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلق من الطين طائرًا صورةَ الطائرِ الحقيقي فتنفخُ فيه فيكونُ طائرًا حقيقيًا، وأنَّ قوله «عائدٌ على الهيئة» لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفةَ بالكاف، والتقدير: وإذ تخلُق من الطينِ هيئةً مثلَ هيئة الطائر فتنفخُ فيها أي: في الموصوفة بالكافِ التي نُسِب خَلْقُها إلى عيسى.
وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكر على هيئةٍ وضميرٌ مؤنثٌ على الطائرِ لأنَّ قوله: «ويجوز عكسُ هذا» يؤدي إلى ذلك» فجوابُه أنه جازَ بالتأويل، لأنه تُؤَوَّلُ الهيئةُ بالشكل ويُؤَوَّل الطائرُ بالهيئةِ فاستقام، وهو موضعُ تأولٍ وتأنٍ.
وقال هنا «بإذني» أربعَ مراتٍ عَقِيب أربع جمل، وفي آل عمران «بإذن الله» مرتين؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ فناسَبَ الإِيجازَ، وهنا مقامُ تذكيرٍ بالنعمةِ والامتنانِ فناسبَ الإِسهابَ.
وقوله: «بإذني» حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول.