فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 2134

قوله تعالى: {أَوَلَمْ} : قرأ الأخَوان «تَرَوْا» بالخطاب جَرْيًا على قولِه {فَإِنَّ رَبَّكُمْ} ، والباقون بالياءِ جَرْيًا على قوله: {أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ} .

وأمَّا قولُه: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير} [النحل: 79] فقرأه حمزةُ أيضًا بالخطاب، ووافقه ابنُ عامر فيه، فحصل من مجموعِ الآيتين أنَّ حمزةَ بالخطاب فيهما، والكسائيَّ بالخطابِ في الأول والغَيْبة في الثاني، وابنَ عامر بالعكس، والباقون بالغيبة فيهما.

فأمَّا توجيهُ الأولى فقد تقدَّم، وأمَّا الخطابُ في الثانية فَجَرْيًا على قوله {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78] .

وأمَّا الغيبةُ فَجَرْيًا على قوله {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} [النحل: 73] .

وأمَّا تفرقَةُ الكسائيِّ وابنِ عامرٍ بين الموضعين فجمعًا بين الاعتبارين وأنَّ كلًا منهما صحيحٌ.

وقوله: {يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} والتفيُّؤُ: تَفَعَّل مِنْ فاء يَفِيْءُ، أي: رَجَع.

واخْتُلِفَ في الفَيْءِ فقيل: هو مُطْلَقُ الظِّلِّ سواءً كان قبل الزَّوالِ أو بعده، وهو الموافِقُ لمعنى الآيةِ ههنا.

وقيل: «ما كان [قبل] الزوال فهو ظلٌّ فقط، وما كان بعده فهو ظِلٌّ وفَيْءٌ» ، فالظلُّ أعمُّ، يُرْوَى ذلك عن رؤبَة ابن العجاج.

وقيل: بل يختصُّ الظِّلُّ بما قبل الزوالِ والفَيْءُ بما بعده. قال الأزهري: «تَفَيَّؤُ الظلالِ رجوعُها بعد انتصافِ النهارِ، فالتفيُّؤُ لا يكون

إلا بالعَشِيّ، وما انصرفَتْ عنه الشمسُ، والظلُّ ما يكون بالغداة، وهو ما لم تَنَلْهُ الشمس قال الشاعر:

-فلا الظِلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحى تَسْتطيعُه ... ولا الفيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوْقُ

وقال امرؤُ القيس أيضًا:

-تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضارِجٍ ... يَفِيْءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِ

وقد خطَّأ ابن قتيبة الناسَ في إطلاقهم الفَيْءَ على ما قبلَ الزَّوال، وقال: إنما يُطْلَقُ على ما بعده، واستدلَّ بالاشتقاق، فإن الفيْءَ هو الرجوعُ وهو متحققٌ ما بعد الزوال، فإنَّ الظلَّ يَرْجِعُ إلى جهةِ المشرق بعد الزوال بعدما نَسَخَتْه الشمسُ قبل الزَّوال.

وقرأ أبو عمرو «تَتَفَيَّأ» بالتاءِ مِنْ فوقُ مراعاةٍ لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيثٌ مجازي.

وقرأ العامَّة «ظلالُه» جمع ظِلّ، وعيسى بن عمر «ظُلَلُهُ» جمع «ظُلَّة» كغُرْفَة وغُرَف. قال صاحب «اللوامح» في قراءة عيسى «ظُلَلُهُ» : «والظُلَّة: الغَيْمُ، وهو جسمٌ، وبالكسرِ الفَيْءُ وهو عَرَضٌ، فرأى عيسى أنَّ التفيُّؤُ الذي هو الرجوعُ بالأجسام أَوْلَى منه بالأَعْرَاضِ، وأمَّا في العامَّة فعلى الاستعارة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت