قوله تعالى: {أَغَيْرَ الله} : مفعول أول لـ «أتَّخِذُ» و «وليًَّا» مفعولٌ ثاني.
وإنما قَدَّم المفعول الأول على فعله لمعنى: وهو إنكار أن يُتَّخَذَ غيرُ اللَّهِ وليًا لا اتخاذ الوليّ، ونحوُه قولك لمن يهين زيدًا وهو مستحقٌّ للإِكرام: «أزيدًا أهنت» ، أَنْكَرْتَ أن يكون مثله مُهانًا.
وقد تقدَّم هذا موضحًا في قوله: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116] ومثله: {أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام: 114] {أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ} [الزمر: 64] {ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59] {ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} [الأنعام: 13] وهو كثير.
قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} القراءة المشهورة ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول، والضمير لله تعالى، والمعنى: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق، وهو موافقٌ لقوله تعالى: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] .
وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: «ولا يَطْعَمُ» بفتح الياء والعين بمعنى ولا يأكل، والضمير لله تعالى.
وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني: ولا يُطْعِم، بضم الياء وكسر العين كالأول، فالضميران - أعني هو والمستكنُّ في «يطعم» - عائدان على الله تعالى، والضمير في «ولا يُطْعِم» للوليّ.
وقرأ يعقوب في رواية ابن المأمون.
«وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم» ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على عكس القراءة المشهورة، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترَيْنِ في الفعلين للولي فقط، أي: وذلك الوليُّ يُطْعمه غيره ولا يُطْعِمُ هو أحدًا لعَجْزه.
وقرأ الأشهب: {وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم} ببنائهما للفاعل. وذكر الزمخشري فيها تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال - بعد أن حكى القراءة: «وفُسِّر بأن معناه وهو يُطْعِم ولا يَسْتَطْعِم» .
وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت، ونحوه: أَفَدْت، ويجوز أن يكون المعنى: وهو يُطْعِم تارة ولا يُطْعم أخرى على حسب المصالح كقولك: هو يعطي ويمنع ويَقْدِر ويبسط ويغني ويفقر»
قلت: هكذا ذكر الشيخ هذه القراءة، وقراءةُ الأشهب هي كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء، لا تخالُفَ بينهما، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلِّهم، وإلاَّ يوهمْ هذا أنهما قراءتان متغايرتان وليس كذلك.
وقرئ شاذًا: {يَطْعَم} بفتح الياء والعين، ولا يُطْعِم بضم الياء وكسر العين أي: وهو يأكل ولا يُطْعِم غيره، ذكر هذه القراءةَ أبو البقاء وقال: «والضمير راجع على الولي الذي هو غير الله.
فهذه ست قراءات وفي بعضها - وهي تَخَالُفُ الفعلين - من صناعة البديع تجنيس التشكيل: وهو أن يكون الشكل فارقًا بين الكلمتين، وسمَّاه أسامة بن منقذ تجنيس التحريف، وهو تسمية فظيعة، فتسميتُه بتجنيس التشكيل أَوْلى.