والضمائرُ في قوله {أَنِ اقذفيه} إلى آخرها عائدةٌ على موسى عليه السلام لأنه المُحَدَّثُ عنه.
وجَوَّز بعضُهم أن يعودَ الضمير في قوله {فاقذفيه فِي اليم} للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى عليه السلام.
وعابَه الزمخشريّ وجعله تنافرًا أو مُخْرِجًا للقرآن عن إعجازه فإنه قال: «والضمائر كلُّها راجعة إلى موسى، ورجوعُ بعضها إليه وبعضِها إلى التابوت فيه هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إليه من تنافُرِ النَّظْم.
فإنْ قلت: المقذوفُ في البحر هو التابوتُ وكذلك المُلْقى إلى الساحل.
قلت: ما ضرَّك لو جَعَلْتَ المقذوفَ والمُلْقى به إلى الساحل هو موسى في جوفِ التابوت حتى لا تُفَرَّقَ الضمائرُ فيتنافرَ عليك النظمُ الذي هو أمُّ إعجاز القرآن والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر».
قوله: {فَلْيُلْقِهِ اليم} هذا أمرٌ معناه الخبرُ، ولكنه أمرًا لفظًا جُزِم جوابُه في قوله: {يَأْخُذْهُ} .
وإنما خَرَجَ بصيغة الأمر مبالغةً؛ إذ الأمرُ أقطعُ الأفعالِ وآكدُها.
وقال الزمخشري: «لَمَّا كانَتْ مشيئةُ اللهِ وإرادتُه أَنْ لا تُخْطِئَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوصولَ به إلى الساحل، وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيلَ المجاز، وجعل اليَمَّ كأنه ذو تمييزٍ، أمر بذلك ليطيع الأمرَ ويَمْتَثِلَ رسمَه» .
قوله: {وَلِتُصْنَعَ} قرأ العامَّةُ بكسر اللام وضم التاء وفتحِ النون على البناءِ للمفعول، ونصبِ الفعلِ بإضمار أَنْ بعد لام. وفيه وجهان:
أحدهما: أن هذه العلةَ معطوفةٌ على علةٍ مقدرة قبلها. والتقديرُ: ليتلطَّفَ بك ولتُصْنَعَ، أو ليعطفَ عليك وتُرامَ ولتصنعَ. وتلك العلةٌ المقدرةُ متعلقةٌ بقوله: «وألقيتُ» أي: ألقيتُ عليكم المحبة ليَعْطفَ عليك ولتُصْنَعَ. ففي الحقيقة هو متعلقٌ بما قبله من إلقاءِ المحبة.
والثاني: أن هذه اللامَ تتعلقُ بمضمرٍ بعدها تقديرُه: ولتُصْنَعَ على عيني فعلتُ ذلك، أو كان كيت وكيت. ومعنى لتُصْنَعَ أي: لتربى ويُحْسَنَ إليك، وأنا مراعِيْكَ ومراقُبكَ كما يراعي الإِنسانُ الشيءَ بعينِه إذا اعتنى به. قاله الزمخشري.
وقرأ الحسن وأبو نهيك «ولِتَصْنَعَ» بفتح التاء.
قال ثعلب: «معناه لتكون حركتُك وتصرُّفُك على عينٍ مني» .
وقال قريبًا منه الزمخشري.
وقال أبو البقاء: «أي لتفعلَ ما آمُرك بمرأى مني»
وقرأ أبو جعفر وشَيْبَةُ «ولْتُصْنَعْ» بسكون اللام والعين وضم التاء وهو أمرٌ معناه: ليُرَبَّ وليُحْسَن إليك. وروي عن أبي جعفر في هذه القراءةِ كسرُ لامِ الأمر.