فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 2134

وقُدِّمَتْ محبةُ الله تعالى على محبتهم لشرفها وسَبْقِها، إذ محبتُه تعالى لهم عبارةٌ عن إلهامِهم فعلَ الطاعةِ وإثابتِه إياهم عليها.

و «أَذِلَّة» جمعُ ذليل بمعنى متعطف، ولا يراد به الذليل الذي هو ضعيف خاضع مُهان، ولا يجوز أن يكون جمع «ذَلُول» لأنَّ ذلولًا يجمع على «ذُلُل» لا على «أَذِلة» وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك.

قال الزمخشري: «ومَنْ زعم أنه من الذُّل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غَبِي عنه أن ذَلُولا لا يُجمع على أَذِلة» وأَذِلّة وأَعِزة جمعان لذليل وعزيز وهما مثالا مبالغة، وعَدَّى «أذلة» بـ «على» وإن كان أصلُه أن يتعدى باللام لِما ضُمِّن من معنى الحُنُوِّ والعطف، والمعنى: عاطفين على المؤمنين على وجهِ التذلُّلِ لهم والتواضعِ، ويجوزُ أَنْ يكون المعنى: أنهم مع شرفهم وعلوِّ طبقتهم وفَضْلِهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قولُه تعالى: {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ذكر هذين الوجهين أبو القاسم الزمخشري.

قال الشيخ: «قيل: أو لأنه على حَذْفِ مضاف، التقدير: على فَضْلِهم على المؤمنين، والمعنى: أنهم يَذِلُّون ويَخْضَعُون لِمَنْ فُضِلوا عليه مع شَرَفِهم وعلوِّ مكانتِهم» وذَكَر آية الفتح.

قلت: وهذا هو قولُ الزمخشري بعينِه، إلا أنَّ قولَه «على حَذْفِ مضاف» يُوهم حذفَه وإقامةَ المضافِ إليه مُقامه، وهنا حَذَ فـ «على» الأولى وحَذَفَ المضافَ والمضافَ إليه معًا، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟

ووقع الوصفُ في جانب المحبة بالجملةِ الفعلية لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، هو مناسبٌ فإنَّ محبَّتهم للهِ تعالى تُجَدِّدُ طاعاتِه وعبادتَه كلَّ وقتٍ، ومحبةُ اللهِ إياهم تُجَدِّدُ ثوابَه وإنعامَه عليهم كل وقت.

ووقع الوصفُ في جانبِ التواضعِ للمؤمنين والغِلْظَةِ على الكافرين بالاسم الدالِّ على المبالغة دلالةً على ثبوتِ ذلك واستقراره وأنه عزيزٌ فيهم، والاسمُ يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ، وقَدَّم الوصفَ بالمحبة منهم ولهم على وصفِهم بأذلَّة وأَعِزِّة لأنهما ناشِئتان عن المحبتين، وقَدَّم وصفَهم المتعلِّق بالمؤمنين على وصْفِهم المتعلق بالكافرين لأنه آكدُ وألزمُ منه، ولشرفِ المؤمنِ أيضًا.

والجمهورُ على جَرِّ «أَذِلَّة - أَعِزَّة» على الوصفِ كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت