قوله: {هُوَ أَفْصَحُ} : الفَصاحَةُ لغةً: الخُلوصُ. ومِنْه فَصُحَ اللبنُ وأَفْصَحَ فهو مُفْصِحٌ وفَصيح أي: خَلَصَ من الرَّغْوَة. ورُوِي قولُهم:
3606 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وتحتَ الرَّغْوَةِ اللبنُ الفَصيحُ
ومنه فَصُحَ الرجل: جادَتْ لغُته. وأَفْصَحَ: تكلَّم بالعربية.
وقيل: بالعكس.
وقيل: الفصيح الذي يَنْطِقُ. والأعجمُ: الذي لا ينطقُ. وعن هذا اسْتُعير أَفْصَح الصبحُ أي: بدا ضَوْءُه. وأفصح النصرانيُّ: دنا فِصْحُه بكسرِ الفاءِ وهو عيدٌ لهم.
وأمَّا في اصطلاحِ أهل البيانِ فهي خُلُوصُ الكلمة من تنافرِ الحروفِ كقوله: «ترعى الهِعْخِع» . ومن الغرابةِ. كقوله:
3607 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومَرْسِنًا مُسَرَّجًا ... ومِنْ مخالفةِ القياس اللغوي كقوله:
3608 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العَليِّ الأَجْلَل ... وخُلوصُ الكلام من ضعفِ التأليف كقوله:
3609 - جزى ربُّه عني عَدِيَّ بنَ حاتمٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن تنافرِ الكلماتِ كقولهِ:
3610 - وقبرُ حربٍ بمكانٍ قَفْرِ ... وليسَ قربَ قبرِ حَرْبٍ قبرُ
ومن التعقيدِ وهو: إمَّا إخلالُ نظمِ الكلامِ فلا يدرى كيفُ يُتوصَّلُ إلى معناه؟ كقوله:
3611 - وما مثلُه في الناسِ إلاَّ مُمَلَّكًا ... أبو أمِّه حيٌّ أبوه يُقارِبُهْ
وإمَّا عَدَمُ انتقالِ الذهنِ من المعنى الأول إلى المعنى الثاني، الذي هو لازِمه والمرادُ به، ظاهرًا كقوله:
3612 - سأطلبُ بُعْدَ الدارِ عنكم لِتَقْرَبُوا ... وَتَسْكُبُ عينايَ الدموعَ لتَجْمُدا
وخُلوصُ المتكلم من النطقِ بجميع ذلك فصارتِ الفصاحةُ يوصف بها ثلاثةُ أشياءَ: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ بخلاف البلاغةِ فإنه لا يُوْصَفُ بها إلاَّ الأخيران.
وهذا له موضوعٌ يُوَضَّحُ فيه. وإنما ذكَرْتُ لك ما ينبِّهُك على أصلِه.
قوله: {يُصَدِّقُنِي} قرأ حمزةُ وعاصمٌ بالرفع على الاستئناف أو الصفةِ لـ «رِدْءًا» أو الحالِ من هاء «أَرْسِلْه» ، أو من الضميرِ في «رِدْءًا»
والباقون بالجزمِ جوابًا للأمرِ. وزيد بن علي واُبَيٌّ «يُصَدِّقوني» أي: فرعونُ ومَلَؤُه.
قال ابن خالويه: «وهذا شاهدٌ لِمَنْ جَزَم؛ لأنه لو كان رفعًا لقال «يُصَدِّقونَني» يعني بنونين»
وهذا سهوٌ من ابن خالويه؛ لأنه متى اجتمعَتْ نونُ الرفعِ من نون الوقايةِ جازَتْ أوجهٌ:
أحدها: الحذفُ، فهذا يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا، وحَذْفُ نونِه لما ذكرْتُ لك.
وقد تقدم تحقيقُ هذا في الأنعام وغيرِها.
وحكاه الشيخُ عن ابنِ خالَويه ولم يُعْقِبْه بنَكير.