قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} : الضمير في «وضعَتْها» يعود على «ما» من حيث المعنى، لأن الذي في بطنها أنثى في علم الله تعالى، فعاد الضميرُ على معناها، دونَ لفظها.
وقيل: إنما أنَّثه حَمْلًا على معنى النَّسَمَةِ أو الحَبْلة أو النفسِ، قاله الزمخشري.
وقال ابن عطية: «حَمْلًا على الموجودة ورفعًا لِلَفْظِ «ما» في قوله: {ما في بطني محرّرًا} .
قوله: {بِمَا وَضَعَتْ} قرأ ابن عامر وأبو بكر: «وَضَعْتُ» بتاء المتكلم، وهو من كلام أم مريم عليها السلام خاطَبَتْ بذلك نفسها تَسَلِّيًا لها، واعتذارًا لله تعالى حيث أتَتْ بمولود لا يَصْلُح لمِا نَذَرَتْه من سِدانة بيتِ المقدس.
قال الزمخشري وقد ذكر هذه القراءة: «تعني ولَعلَّ لله تعالى فيه سرًا وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذكر تسليةً لنفسها» .
وفي قولهِا {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَتْ على مقتضى قولِها: «ربِّ» لقالت: «وأنت أعلم» .
وقرأ الباقون: «وضَعَتْ» بتاءُ التأنيث الساكنة على إسناد الفعل لضميرِ مريم عليها السلام، وهو من كلامِ الباري تبارك وتعالى، وفيه تنبيهٌ على عِظَمِ قَدْر هذا المولودِ، وأنَّ له شأْنًا لم تعرفيه، ولم تَعْرفي إلا كونه أنثى لا غير، دونَ ما يَؤُول إليه من أمورٍ عظامٍ وآياتٍ واضحةٍ،
قال الزمخشري: «ولتكلُّمِها بذلك على وجه التَحزُّنِ والتحسُّرِ قال الله تعالى: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيمًا لموضوعِها وتجهيلًا لها بقدْر ما وَهَبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعَتْ وما عَلِق من عظائم الأمور، وأَنْ يجعلَه وولدَه آيةً للعالمين، وهي جاهلةٌ بذلك لا تعلم منه شيئًا فلذلك تَحَسَّرت» .
وقد رجَّح بعضُهم القراءةَ الثانية على الأولى بقوله: {والله أَعْلَمُ} قال: «لو كان من كلامِ أم مريم لكانَ التركيبُ: وأنت أعلمُ»
وقد تقدَّم جوابُ هذا وأنه التفات.