قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ الكلامَ على حالهِ من غيرِ ادِّعاءِ تقديمٍ وتأخيرٍ فيه، بمعنى: إني مستوفي أجلِك ومؤخِّرُك وعاصِمُك مِنْ أَنْ يقتُلَكَ الكفار إلى أن تموتَ حَتْفَ أنفِكَ من غيرِ أَنْ تُقْتَلَ بأيدي الكفارِ ورافعُكَ إلى سمائي.
والثاني: أنَّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأصلُ: رافُعك إليّ ومتوفيك لأنه رُفِع إلى السماء ثم يُتَوَفَّى بعد ذلك، والواوُ للجمعِ فلا فَرْقَ بين التقديم والتأخيرِ، قاله أبو البقاء وبدأ به، ولا حاجةَ إلى ذلك مع إمكانِ إقرارِ كلِّ واحدٍ في مكانِهِ بما تقدَّم من المعنى، إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ حَمَلَ التوفِّيَ على الموتِ، وذلك إنما هو بعدَ رَفْعِهِ ونزولِهِ إلى الأرض وحكمهِ بشريعةِ محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} إلى {كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، وذلك أنه قدَّم تعالى ذِكْرَ مَنْ كَذَّب بعيسى وافترى عليه وهم اليهود لُعنوا، وقَدَّم أيضًا ذِكْرَ مَنْ آمَنَ به وهم الحواريون رضي الله عنهم وقَضَى بعد ذلك بالإِخبار بأنه يجعلُ مُتَّبعي عيسى فوق مخالِفيه، فلو جاءَ النظمُ على السياقِ من غيرِ التفاتٍ لكانَ: ثم إليَّ مَرْجِعُهم فأَحْكُمُ بينهم فيما كانوا، ولكنه التفت إلى الخطاب لأنه أبلغُ في البِشارة وَأَزْجَرُ في النِّذارة.
وفي ترتيبِ هذه الأخبار الأربعة أعني «مُتَوَفِّيك» و «رافعُك» و «مُطَهِّرك» و «جاعلُ» هذا الترتيبَ معنًى حسنٌ جدًا، وذلك أنه تعالى بَشَّره أولًا بأنه متوفِّيه ومتولِّي أمره فليس للكفار المتوعِّدين له بالقتل عليه سلطانٌ ولا سبيلٌ، ثم بَشَّره ثانيًا بأنه رافعُه إليه أي: سمائهِ محلِّ أنبيائِهِ وملائكتِهِ ومحلِّ عبادتِهِ ليسكنَ فيها ويعبُدَ ربَّه مع عابِدِيه، ثم ثالثًا بتطهيرِهِ من أَوْضارِ الكفرةِ وأذاهم وما رَموه به، ثم رابعًا برفعهِ تابعيه على مَنْ خالفهم ليتِمَّ بذلك سرورُه، ويكملَ فرحُهُ، وقَدَّم البِشارَةَ بما يتعلَّقُ بنفسِهِ على البِشارة بما يتعلَّق بغيره؛ لأنَّ الإِنسانَ بنفسِهِ أَهَمُّ وبشأنها أَعْنى، {قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] «ابدَأْ بِنَفْسِكَ ثم بِمَنْ تَعول» .