فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 2134

قوله تعالى: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ} : في «ما» هذه ثلاثة أوجه أظهرها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: الذي حَرَّمه، والموصول في محل نصب مفعولًا به.

والثاني: أن تكون مصدريةً أي: أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يُتْلَى وإنما هو مصدرٌ واقع موقع المفعول به أي: أتلُ مُحَرَّم ربكم الذي حرَّمه هو.

والثالث: أنها استفهامية في محل نصب بـ (حرَّم) بعدها، وهي مُعَلِّقة لـ (أتْل) والتقدير: أتل أيَّ شيء حرَّم ربكم، وهذا ضعيف لأنه لا تُعَلَّقُ إلا أفعالُ القلوب وما حُمِل عليها.

وأمَّا «عليكم» ففيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بَحَرَّم، وهذا اختيار البصريين.

والثاني: أنه متعلق بـ (أتْل) وهو اختيار الكوفيين يعني أن المسألة من باب الإِعمال، وقد عرفت أن اختيار البصريين إعمالُ الثاني، واختيارَ الكوفيين إعمالُ الأول.

قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلت «أن» مفسرةً لفعل التلاوة وهو معلَّق بما حرَّم ربكم وَجَبَ أَنْ يكون ما بعده منهيًَّا عنه مُحَرَّمًا كله كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرفُ النهي فما تصنع بالأوامر؟

قلت: لَمَّا وَرَدَت هذه الأوامرُ مع النواهي، وتقدَّمهن جميعًا فعلُ التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه عُلم أن التحريمَ راجعٌ إلى أضدادها وهي الإِساءة إلى الوالدين، وبَخْسُ الكيل والميزان، وتَرْكُ العدلِ في القول، ونكثُ العهد».

قال الشيخ: «وكونُ هذه الأشياء اشتركت في الدخول تحت حكم التحريم، وكونُ التحريم راجعًا إلى أضداد الأوامر بعيدٌ جدًا وإلغازٌ في التعامي ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك» .

قلت: ما استبعده ليس ببعيدٍ وأين الإِلغاز والتعمِّي من هذا الكلامِ حتى يرميَه به. ثم

قال الشيخ: «وأمَّا عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين:

أحدهما: أنها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حَيِّز «أن» التفسيرية، بل هي معطوفة على قوله {تَعَالَوْاْ أتْلُ مَا حَرَّمَ} ، أمرهم أولًا بأمرٍ يترتب عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمرهم ثانيًا بأوامر وهذا معنى واضح.

والثاني: أن تكون الأوامر معطوفةً على المناهي وداخلةً تحت «أن» التفسيرية، ويصحُّ ذلك على تقدير محذوف تكون «أن» مفسرةً له وللمنطوق قبله الذي دلَّ على حَذْفِه، والتقدير: وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حَرَّم عليه، لأن معنى ما حَرَّم ربكم: ما نهاكم ربكم عنه فالمعنى: تعالوا أتلُ ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون «أن» تفسيرية لفعل النهي الدالِّ عليه التحريمُ وفعل الأمر المحذوف، ألاى ترى أنه يجوز أن تقول: «أمرتك أن لا تكرم جاهلًا وأكرم عالمًا» إذ يجوز أن يُعْطف الأمر على النهي والنهي على الأمر كما قال:

2118 - . . . . . . . . . . . . . . . . ... يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتجمَّلِ

وهذا لا نعلم فيه خلافًا بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإِنشاء فإنَّ في جواز العطف فيها خلافًا» انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت