فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 2134

قوله تعالى: {كَمَآ أَنْزَلْنَا} فيه أقوالٌ، أحدُهما: أنَّ الكافَ متعلقٌ بـ «آتيناك» ، وإليه ذهب الزمخشري فإنه قال: «أي: أَنْزَلْنا عليك مثلَ ما أَنْزَلْنا على أهل الكتاب، وهم المُقتسِمُون الذين جعلوا القرآن عِضِينَ» .

والثاني: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ منصوبٍ بـ «آتيناك» تقديرُه: آتَيْناك إتْيانًا كما أَنْزَلْنا.

الثالث: أنه منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، ولكنه مُلاقٍ لـ «آتيناك» من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ، تقديرُه: أَنْزَلْنا إليك إنزالًا كما أَنْزَلْنا، لأنَّ «آتيناك» بمعنى أَنْزَلْنَا إليك.

الرابع: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، العاملُ فيه مقدرٌ أيضًا تقديرُه: مَتَّعْناهم تمتيعًا كما أَنْزَلْنا، والمعنى: نَعَّمْنا بعضَهم كما عَذَّبنا بعضَهم.

الخامس: أنه صفةٌ لمصدرٍ دَلَّ عليه «النذير» والتقدير: أنا النذيرُ إنْذارًا كما أَنْزَلْنا، أي: مثلَ ما أنزلناه.

السادس: أنه نعتٌ لمفعولٍ محذوف، الناصبُ له «النذير» ، تقديرُه: النذير عذابًا، كما أنزلنا على المُقْتَسِمين، وهم قومٌ صالحٍ لأنهم قالوا: {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 49] فأَقْسموا على ذلك، أو يُراد بهم قريشٌ حيث قَسَموا القرآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وافتراء. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بأنه يلزمُ منه إعمالٌ الوصفِ موصوفًا، وهو غيرُ جائزٍ عند البصريين، جائزٌ عند الكوفيين، فلو عَمِل ثم وُصِفَ جاز عند الجميعِ.

السابع: أنه مفعولٌ به، ناصبُه «النذير» أيضًا.

قال الزمخشريُّ: «والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بقوله: «وقل إني أنا النذيرُ المبين» ، أي: وأَنْذِرْ قريشًا مثلَ ما أَنْزَلْنَا من العذابِ على المقتسمين، يعني اليهودَ وهو ما جَرَى على قُرَيْظَةَ والنَّضِير».

وهذا مردودٌ بما تقدم من إعمالِ الوصفِ موصوفًا.

الثامن: أنه منصوبٌ نعتًا لمفعولٍ به مقدرٍ، والناصبُ لذلك المحذوفِ مقدَّرٌ لدلالةِ لفظِ «النذير» عليه، أي: أُنْذِرُكم عذابًا مثلَ العذابِ المنزَّلِ على المقتسمين، وهم قومٌ صالحٍ أو قريشٌ، قاله أبو البقاء، وكأنه فَرَّ مِنْ كونِهِ منصوبًا بلفظِ «النَّذير» لِما تقدَّم من الاعتراض البَصْرِيِّ.

وقد اعترض ابنُ عطيةَ على القول السادس فقال: «والكافُ من قوله «كما» متعلقةٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وقل إني أنا النذيرُ المبينُ عذابًا كما أنزَلْنا، فالكافُ اسمٌ في موضع نصبٍ، هذا قولُ المفسِّرين. وهو عندي غيرُ صحيحٍ، لأنَّ {كَمَآ أَنْزَلْنَا} ليس مما يقولُه محمدٌ عليه السلام، بل هو مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، فينفصِلُ الكلامُ.

وإنما يترتَّبُ هذا القولُ بأن الله تعالى قال له: أَنْذِرْ عذابًا كما. والذي أقول في هذا: «المعنى: وقل: إني أنا النذيرُ المبين، كما قال قبلَك رسلُنا، وأنزلْنا عليهم كما أَنْزَلْنا عليك. ويُحْتمل أن يكونَ المعنى: وقل إني أنا النذيرُ المُبينُ، كما قد أَنْزَلْنا في الكتب أنك ستأتي نذيرًا، على أنَّ المُقْتَسِمين اهلُ الكتاب» .

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت