فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 2134

قوله تعالى: {ياأيها الرسول} : ناداه بأشرفِ الصفات البشرية.

وقوله: {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} وهو قد بَلَّغَ!! فأجاب الزمخشري بأن المعنى: جميعَ ما أُنْزل إليك، أي: أيَّ شيء أُنْزل غيرَ مراقِبٍ في تبليغه أحدًا ولا خائفٍ أن ينالكَ مكروهٌ»

وأجاب ابن عطية بقريب منه، قال: «أَمَر رسولَه بالتبليغِ على الاستيفاء والكمال، لأنه كان قد بلَّغ» .

وأجابَ غيرُهما بأنَّ المعنى على الديمومة كقوله: {يا أَيُّهَا النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ} [النساء: 136] .

وإنما ذكرْتُ هذا لأنه ينفعُ في سؤالٍ سيأتي.

قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي: وإنْ لم تفعل التبليغَ، فحذَف المفعولَ به ولم يقل: «وإن لم تبلِّغْ فما بَلَّغت» لِما تقدم في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} [الآية: 24] في البقرة.

والجوابُ لا بد أن يكون مغايرًا للشرط لتحصُل الفائدةُ، ومتى اتَّحدا اختلَّ الكلام، لو قلت: «إن أتى زيد فقد جاء» لم يَجُزْ، وظاهرُ قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ} اتحادُ الشرطِ والجزاء، فإن المعنى يَؤُول ظاهرًا إلى: وإن لم تفعل لم تفعلْ. وأجابَ الناس عن ذلك بأجوبةٍ أسَدُّها ما قاله الأستاذ أبو القاسم الزمخشري، وقد أجابَ بجوابين:

أحدُهما: أنه إذا لم يمتثل أمرَ اللهِ في تبليغِ الرسالاتِ وكَتْمِها كلِّها كأنه لم يُبْعَثْ رسولًا كان أمرًا شنيعًا لاخفاءَ بشناعته، فقيل: إنْ لم تبلغ أدنى شيء وإن كلمةً واحدةً فكنت كمن ركب الأمرَ الشنيع الذي هو كتمانُ كلِّها، كما عَظَّم قَتْل النفسِ في قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

والثاني: أَنْ يُراد: وإنْ لم تفعلْ ذلك فلك ما يُوجِبُ كتمانَ الوحي كلِّه من العقاب فوضَع السببَ موضعَ المُسَبِّب، ويؤيده: «فأوحى الله إليَّ إنْ لم تبلِّغْ رسالاتي عَذَّبْتُك»

وأجاب ابن عطية فقال: «أي: وإن تركت شيئًا فقد تركت الكل وصار ما بَلَّغْت غيرَ معتد به، فمعنى «وإن لم تفعل» : «وإن لم تستوفِ» نحوُ هذا قولُ الشاعر:

سُئِلْتَ فلم تبخَلْ، ولم تُعْطِ نائلًا ... ، فسِيَّان لا حمدٌ عليك ولا ذَمٌّ

أي: فلم تعطِ ما يُعَدُّ نائلًا، وإلا يتكاذَبِ البيتُ، يعني بالتكاذب أنه قد قال: «فلم تبخل» فيتضمن أنه أعطى شيئًا، فقوله بعد ذلك: «ولم تُعْطِ نائلًا» لو لم يقدِّر نائلًا يُعْتَدُّ به تكاذَبَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت