قوله: {يَقُصُّ الحق} قرأ نافع وابن كثير وعاصم: «يقص» بصاد مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر.
وقرأ عبد الله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة: «يقضي بالحق» من القضاء.
وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: «يقضي بالحق وهو خير القاضين» فأمَّا قراءة «يقضي» فمِن القضاء. ويؤيده قوله: «وهو خير الفاصلين» فإنَّ الفصل يناسب القضاء، ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطًَّا كما حذفت لفظًا لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو: {فَمَا تُغْنِ النذر} [القمر: 5] ، وكما حُذِفَتْ الواو في {سَنَدْعُ الزبانية} [العلق: 18] {وَيَمْحُ الله الباطل} [الشورى: 24] لما تقدم.
وأمَّا نصب «الحق» بعده ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق.
والثاني: أنه ضمَّن «يقضي» معنى يُنْفِذ، فلذلك عدَّاه إلى المفعول به.
الثالث: أن «قضى» بمعنى صنع فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قوله:
193 -6 - وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما ... داودُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: صَنَعَهما.
الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي: يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدِّ قوله:
193 -7 - تمرُّون الدِّيار فلم تَعْوجوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويؤيد ذلك: القراءةُ بهذا الأصل.
وأما قراءة «يَقُصُّ» فمِنْ «قَصَّ الحديث» أو مِنْ «قصَّ الأثر» أي: تَتَبَّعه.
وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص} [يوسف: 3] .
ورجحَّ أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله: «الفاصلين» ، وحُكي عنه أنَّه قال: «أهو يَقُصُّ الحقَّ أو يقضي الحقَّ أو يقضي الحق» فقالوا: «يقصُّ» فقال: «لو كان «يقص» لقال: «وهو خير القاصِّين» أقرأ أحدٌ بهذا؟
وحيث قال: {وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين} فالفصل إنما يكون في القضاء» وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه «وهو خير القاصِّين» قراءةً.
وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره ابن العلاء فقال: «القصصُ هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضًا قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [طارق: 13] وقال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] . وقال تعالى: {وَنُفَصِّلُ الآيات} [التوبة: 11] فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعمل معه كما جاء مع القضاء فلا يلزم «من الفاصلين» أن يكون مُعَيِّنًا ليقضي.