والتنصيصُ على ذِكْرِ المَشْرقِ والمَغْرِبِ دونَ غيرِهما لوجهين:
أحدُهما: لشَرَفِهما حيث جُعِلا لله تعالى.
والثاني: أن يكونَ مِن حَذْفِ المعطوفِ للعِلْم أي: لله المشرقُ والمغربُ وما بينهما كقوله: «تَقِيكم الحَرَّ» أي والبردَ، وكقولِ الشاعر:
687 -تَنْفي يداها الحصى في كلِّ هاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدراهيمِ تَنْقادُ الصيّاريفِ
أي: يَداها ورجلاها، ومثله:
688 -كأنَّ الحَصَى من خَلْفِها وأمامِها ... إذا نَجَلَتْه رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَرَا
أي: رجلُها ويدُها.
وفي المشرق والمغرب قَوْلان، أحدُهما: أنهما اسما مكانِ الشروقِ والغروبِ، والثاني: أنهما اسما مصدرٍ أي: الإِشراق والإِغرابُ.
وأَفْرد المشرقَ والمغربَ إذا المرادُ ناحيتاهما، أو لأنَّهما مصدران، وجاء المشارقُ والمغاربُ باعتبار وقوعِهما في كلِّ يومٍ، والمشرقَيْن والمغربَيْن باعتبارِ مَشْرق الشتاءِ والصيف ومَغْربيهما.
قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ الله} و «ثَمَّ» اسمُ إشارةٍ للمكانِ البعيدِ خاصةً مثل: هُنا وهَنَّا بتشديدِ النونِ، وهو مبنيٌّ على الفتحِ لتضمُّنِه معنى حرفِ الإشارة أو حرفِ الخطاب.
ومعنى «وَجْهُ الله» جِهَتُه التي ارتضاها قِبْلةً وأمَرَ بالتوجُّه نحوَها، أو ذاتُه نحو: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، أو المرادُ به الجاهُ، أي فَثَمَّ جَلالُ الله وعَظَمَتُه مِنْ قولِهم: هو وجهُ القوم، أو يكونُ صلةً زائدًا، وليس بشيءٍ.
وقيل: المرادُ به العملُ قاله الفراء وعليه قوله:
690 -أسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لسْتُ مُحْصِيَه ... ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعَمَلُ