قوله: {فَأَثَابَكُمْ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوفٌ على «تُصْعِدون» و «تَلْوون» ، ولا يَضُرُّ كونُهما مضارعين، لأنهما ماضيان في المعنى، لأنَّ «إذ» المضافة إليهما صَيِّرتهما ماضيين، فكأن المعنى: إذا صَعِدتم وأَلْويتم.
والثاني: أنه معطوفٌ على «صَرَفكم» .
قال الزمخشري: «فأثابكم» عطفٌ على «صَرَفَكم» .
وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصلِ.
وفي فاعِله قولان، أحدُهما: أنه الباري تعالى، والثاني: أنه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يكونَ الضميرُ في «فأثابكم» للرسولِ، أي: فآساكم في الاغتمامِ، وكما غَمَّكم ما نَزَل به من كسرِ رباعيته غَمَّه ما نَزَل بكم من فَوْتِ الغنيمة.
و «غَمًَّا» مفعولٌ ثانٍ، و «بغمٍّ» يجوزُ في الباءِ أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ للسببية، على معنى أنَّ متعلَّق الغم الأول الصحابة، ومتعلَّق الغمِّ الثاني قَتْلُ المشركين يوم بدر، والمعنى: فأثابكم غَمًَّا بالغمِّ الذي أَوْقعه على أيديكم بالكفار يوم بدر.
وقيل: «متعلَّقُ الغمِّ الرسولُ، والمعنى: أذاقكم الله غَمًَّا بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشَلِكم، أو فأثابكم الرسولُ، أي: آساكم غَمًَّا بسبب غمٍ اغتممتموه لأجله.
والثاني: أن تكونَ الباءُ للمصاحبة أي: غَمًَّا مصاحبًا لغَمٍّ، ويكون الغَمَّان للصحابة، فالغَمُّ الأول الهزيمة والقتل.
والثاني: إشرافُ خالد بخيل الكفار، أو بإرجاف قتل الرسول عليه السلام، فعلى الأول تتعلَّق الباء بـ «أَثَابكم»
قال أبو البقاء: «وقيل: المعنى بسبب غَمٍّ، فيكونُ مفعولًا به» وعلى الثاني تتعلَّقُ بمحذوفٍ، لأنه صفةٌ لغَمّ، أي: غَمًَّا مصاحِبًا لغَمٍّ، أو مُلْتَبِسًا بغَمٍّ.
وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ الباءُ بمعنى «بعد» أو بمعنى «بَدَل» ، وجَعَلَها في هذين الوجهين صفةً لـ غَمَّا»، وكونُها بمعنى «بعد» و «بدل» بعيدٌ، وكأنه يريد تفسيرَ المعنى، وكذا قال الزمخشري: «غَمًَّا بعد غم» .
وقوله: {فَأَثَابَكُمْ} هل هو حقيقةٌ أو مجاز؟
فقيل: مجاز، كأنه جَعَلَ الغَمَّ قائمًا مقام الثواب الذي كان يحصُل لولا الفِرارُ، فهو كقوله:
1469 - أخافُ زيادًا أَنْ يكونَ عَطاؤُه ... أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا
وقوله:
1470 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تحيةُ بيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ
جعل القيودَ والسياطَ بمنزلة العطاء، والضربَ بمنزلة التحية.