فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 2134

وقد تقدَّم الكلامُ في «كاد» ، وأن بعضَهم زَعَم أنَّ نَفْيَها إثباتٌ وإثباتَها نفيٌ.

وتَقَدَّمَتْ أدلةُ ذلك في البقرة فَأَغْنى عن إعادتِه.

وقال الزمخشري هنا: «لم يَكْدَ يَراها مبالغةٌ في لم يرها أي: لم يَقْرُبُ أَنْ يَراها فضلًا أنْ يَراها. ومنه قولُ ذي الرمة:

3450 - إذا غَيَّر النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لم يَكَدْ ... رَسِيْسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

أي: لم يَقْرُبْ مِنْ البَراح فما بالُه يَبْرَحُ».

وقال أبوة البقاء: «اختلف الناسُ في تأويلِ هذا الكلامِ. ومَنْشَأُ الاختلافِ فيه: أنَّ موضوعَ «كاد» إذا نُفِيَتْ: وقوعُ الفعلِ.

وأكثرُ المفسِّرين على أن المعنى: أنَّه لا يرى يدَه، فعلى هذا: في التقديرِ ثلاثةُ أوجهٍ:

أحدُها: أنَّ التقديرَ: لم يَرَها ولم يَكَدْ، ذَكرَه جماعةٌ من النحويين.

وهذا خطأٌ؛ لأنَّ قولَه «لم يَرَها» جزمٌ بنفيِ الرؤيةِ وقوله: «لم يَكَدْ» إذا أخرجها على مقتضى البابِ كان التقديرُ: ولم يكَدْ يَراها كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية.

فإنْ أراد هذا القائلُ أنَّه لم يَكَدْ يراها، وأنه رآها بعد جُهْدٍ، تناقَضَ؛ لأنه نفى الرؤية ثم أَثْبَتها، وإنْ كان معنى «لم يكَدْ يَراها» : لم يَرَها ألبتَّةَ

على خلافِ الأكثرِ في هذا الباب، فينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه مِنْ غير أَنْ يُقَدِّرَ لم يَرَها. والوجه الثاني: أنَّ «كاد» زائدةٌ وهو بعيدٌ.

والثالث: أنَّ «كاد» أُخْرِجَتْ ههنا على معنى «قارب» والمعنى: لم يقارِبْ رؤيتَها، وإذا لم يقارِبْها باعَدَها.

وعليه جاء قولُ ذي الرمة:

إذا غَيَّر النَّأْيُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

البيت. أي: لم يقارِبِ البَراحَ.

ومِنْ هنا حُكي عن ذي الرمة أنه لَمَّا رُوْجِع في هذا البيت قال: لم أجِدْ بدل «لم يَكَدْ» .

والمعنى الثاني: أنَّه رآها بعد جُهْدٍ.

والتشبيهُ على هذا صحيحٌ لأنَّه مع شدَّة الظُّلْمة إذا أَحَدَّ نظرَه إلى يدِه وقرَّبها مِنْ عَيْنِه رآها» انتهى.

أمَّا الوجهُ الأولُ وهو ما ذكره أنه قولُ الأكثرِ: مِنْ أنَّه يكونَ إثباتًا، فقد تقدَّم أنه غيرُ صحيحٍ وليس هو قولَ الأكثرِ.

وإنما غَرَّهم في ذلك آيةُ البقرة. وما أَنْشَدْناه عن بعضِهم لُغْزًا وهو:

3451 - أَنْحْوِيَّ هذا العصرِ ماهي لفظَةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

البيتين.

وأمَّا ما ذكره مِنْ زيادةِ «كاد» فهو قولُ أبي بكرٍ وغيرِه، ولكنه مردودٌ عندَهم.

وأمَّا ما ذكره من المعنى الثاني: وهو أنه رآها بعد جُهْدٍ فهو مذهبُ الفراء والمبرد.

والعجبُ كيف يَعْدِلُ عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشريُّ وهو المبالغةُ في نفي الرؤية؟

وقال ابنُ عطية ما معناه: «إذا كان الفعلُ بعد «كاد» منفيًا دَلَّ على ثبوتِه نحو: كاد زيدٌ لا يقوم، أو مُثْبَتًا دَلَّ على نفيه نحو: «كاد زيد يقوم» وإذا تقدَّم النفيُ على «كاد» احتمل أن يكونَ مُوْجَبًا، وأَنْ يكونَ منفيًا. تقول: «المفلوج لا يَكاد يَسْكُن» فهذا يتضمَّن نَفْيَ السكونِ. وتقول: رجل منصرف لا يكاد يَسْكُن، فهذا تضمَّن إيجابَ السكونِ بعد جُهْد».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت