فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 2134

(فصل)

وقَرأَ ابن عامر «فيكونَ» نصبا هنا وفي الأول من آل عمران، وهي: {لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ} [آل عمران: 47] ، تحرُّزًا من قوله: {كُن فَيَكُونُ الحق مِن رَّبِّكَ} [آل عمران: 59] وفي مريم: {كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ الله رَبِّي} [مريم: 35] ، وفي غافر: {كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ} [غافر: 68] ، ووافقه الكسائي على ما في النحل ويس وهي: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .

أمَّا آيتا النحلِ ويس فظاهِرتان لأنَّ قبلَ الفعل منصوبًا يَصِحُّ عطفُه عليه وسيأتي.

وأمَّا ما انفرَدَ به ابنُ عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلامُ

الناس فيها وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرَّأ بعض الناس على هذا الإِمام الكبيرِ، فقال ابن مجاهد: «قرأ ابن عامر «فيكونَ» نصبًا وهذا غيرُ جائز في العربية؛ لأنه لا يكونُ الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل، فإنه نَسَقٌ لا جوابٌ».

وقال في آل عمران: «قرأ ابن عامر وحدَه: «كن فيكونَ» بالنصب وهو وهمٌ»

قال: «وقال هشام: كان أيوبُ بن تميم يقرأُ: فيكونُ نصبًا ثم رَجَع فقرأ: فيكونُ رفعًا» .

وقال الزجاج: «كن فيكونُ: رفعٌ لا غيرُ»

وأكثرُ ما أَجابوا بأنَّ هذا مِمَّا رُوعي فيه ظاهرُ اللفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وُجِد في اللفظ صورةُ أمر فنَصَبْنا في جوابه بالفاء، وأمّا إذا نظرنا إلى جانب المعنى فإن ذلك لا يَصِحُّ لوجهين، أحدهما: أنَّ هذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبرُ نحو: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن} [مريم: 75] أي: فَيَمُدُّ، وإذا كان معناه الخبرَ لم ينتصِبْ في جوابِه بالفاء إلا ضرورةً كقوله:

698 -سَأَتْرُك منزلي لبني تميمٍ ... وأَلحَقُ بالحجازِ فأستريحا

وقول الآخر:

699 -لنا هَضْبةٌ لا يَنْزِلُ الذلُّ وَسْطَها ... ويَأْوي إليها المُسْتجيرُ فَيُعْصَما

والثاني: أنَّ مِنْ شرطِ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمرِ أَنْ يَنْعَقِدَ منهما شرطٌ وجزاءٌ نحو: «ائتني فأكرمك» تقديرُه: إنْ أتيتني أكرمتُك، وههنا لا يَصِحُّ ذلك إذ يَصيرُ التقديرُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، فيتَّحِدُ فعلا الشرطِ والجزاءِ معنىً وفاعلًا، وقد عَلِمْت أنه لا بُدَّ من تغايرِهما وإلاَّ يلزمْ أن يكونَ الشيءُ شرطًا لنفسه وهو مُحال.

قالوا: والمعاملةُ اللفظية واردةُ في كلامهم نحو: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ} [إبراهيم: 31] {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} [الجاثية: 14]

وقال عمر ابن أبي ربيعة:

700 -فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشتَمِلْ ... عليه برفقٍ وارْقُبِ الشمسِ تَغْرُبِ

وأَسْرِجْ لي الدَّهْماءَ واذهَبْ بمِمْطَري ... ولا يَعْلَمَنْ خلقٌ من الناسِ مَذْهَبي

فجعل «تَغْرُبِ» جوابًا «ارقب» وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله تعالى أَنْ يفعلوا.

وإنما ذلك مراعاةً لجانبِ اللفظِ.

أمَّا ما ذكروه في بيتِ عمر فصحيحُ، وأمَّا الآياتُ فلا نُسَلِّم أنه غيرُ مترتِّبٍ عليه، لأنه أرادَ بالعبادِ الخُلَّصَ، ولذلك أضافهم إليه، أو تقولُ إن الجزمَ على حَذْفِ لأمِ الأمر وسيأتي تحقيقهُ في موضعه. وقال الشيخ جمال الدين بنُ مالك: «إنَّ «أَنْ» الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بـ «إنما» اختيارًا وحكاه عن بعض الكوفيين، قال: «وحَكَوْا عن العرب: «إنما هي ضربةٌ من الأسدِ فَتَحْطِمَ ظهرَه» بنصبِ «تَحْطِمَ» فعلى هذا يكون النصبُ في قراءة ابن عامر محمولًا على ذلك، إلا أنَّ هذا الذي نَصَبوه دليلًا لا دليلَ فيه لاحتمالِ أَنْ يكونَ من بابِ العطفِ على الاسمِ، تقديرُه: إنما هي ضربةٌ فَحَطْم، كقوله:

701 -لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ

وهذا نهايةُ القول في هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت