فهرس الكتاب

الصفحة 1675 من 2134

والقَدْر والقَدَر: التقديرُ، وقُرِئ بهما، أي: خَلَقْنا كلَّ شيء مُقَدَّرًا مُحْكَمًا مُرَتَّبًا على حَسَبِ ما اقْتَضَتْه الحكمةُ أو مُقَدَّرًا مكتوبًا في اللوح، معلومًا قبل كونِه قد عَلِمْنا حاله وزمانَه» انتهى.

وهو هنا لم يَتَعَصَّبْ للمعتزلةِ لضعفِ وجهِ الرفع.

وقال قومٌ: إذا كان الفعل يُتَوَهَّمُ فيه الوصفُ وأنَّ ما بعدَه يَصْلُحُ للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعلُ هو الخبرَ اختير النصبُ في الاسمِ الأولِ حتى يتضحَ أنَّ الفعل ليس بوصفٍ، ومنه هذا الموضعُ؛ لأنَّ قراءة الرفع تُخَيِّل أنَّ الفعلَ وصفٌ، وأن الخبرَ «بقدَر» .

وقد تنازع أهلُ السنة والقَدَرِيَّة الاستدلال بهذه الآية:

فأهلُ السُّنَّة يقولون: كلُّ شيء مخلوقٌ لله تعالى بقَدَرٍ، ودليلُهم قراءة النصبِ لأنه لا يُفَسَّر في هذا التركيب إلاَّ ما يَصِحُّ أن يكون خبرًا لو رُفِع الأولُ على الابتداء. وقال القَدَرية: القَراءةُ برفع «كل» و «خَلَقْناه» في موضع الصفة لـ «كل» ، أي: إنَّ أمْرَنا أو شأنَنا: كلُّ شيء خَلَقْناه فهو بَقَدر أو بمقدار، وعلى حَدِّ ما في هيئتهِ وزمنِه.

وقال بعضُ العلماء: في القَدَر هنا وجوهٌ:

أحدها: أنه المقدارُ في ذاتِه وفي صفاته.

والثاني: التقديرُ كقولِهِ {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون} [المرسلات: 23] . وقال الشاعر:

4168 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وقَد قَدَّر الرحمنُ ما هو قادِرُ

أي: ما هو مُقَدَّر.

والثالث: القَدَرُ الذي يُقال مع القضاء كقولِكَ: كان بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه فقوله «بقَدَرٍ» على قراءة النصب متعلِّقٌ بالفعل الناصب وفي قراءةِ الرفع في محلِّ رفع، لأنه خبرٌ لـ «كل» و «كل» وخبرُها في محل رفع خبرًا لـ إنَّ.

وسيأتي قريبًا آيةٌ عكسَ هذه أعني في اختيار الرفع وهي

قولُه {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر} فإنَّه لم يختلف في رفعِه قالوا لأنَّ نصبَه يُؤدَّي إلى فسادِ المعنى لأنَّ الواقعَ خلافُه، وذلك أنَّك لو نَصَبْتَه لكان التقديرُ: فعلوا كلَّ شيءٍ في الزبُر، وهو خلافُ الواقع؛ إذ في الزُّبُر أشياءُ كثيرةٌ جدًا لم يفعلوها.

وأمَّا قراءةُ الرفعِ فتؤَدِّي أنَّ كلَّ شيءٍ فعلوه هم، ثابتٌ في الزُبُر وهو المقصود فلذلك اتُّفِقَ على رفعِه، وهذان الموضعان مِنْ نُكَتِ المسائلِ العربيةِ التي اتَّفق مجيئُها في سورةٍ واحدةٍ في مكانَيْن متقاربين ومما يَدُلُّ على جلالةِ علمِ الإِعراب وإفهامهِ المعانيَ الغامضةَ.

والجاهلون لأهل العلم أعداءٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت