فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 2134

والجواب: أنَّ الله تعالى أخبرَنا أولًا أنه خَلَقَ آدمَ مِنْ غيرِ ذَكَرٍ ولا أنثى، ثم ابتدأَ خبرًا آخرَ، أرادَ أَنْ يُخْبِرَنا به فقال: إني مخبرُكم أيضًا بعد خبري الأول أني قلت له: «كن» فكان، فجاء بثم لمعنى الخبرِ الذي تقدَّم والخبر الذي تأخر في الذكر، لأنَّ الخَلْقَ تقدَّم على قولِه «كن» ، وهذا كما تقول: «أُخْبِرُك أني أُعطيك اليوم ألفًا، ثم أُخبرك أني أعطتيك أمسِ قبلَه ألفًا» فأمس متقدِّمَ على اليوم.

وإنما جاء بثم لأنَّ خبرَ اليوم متقدِّمٌ خبرَ أمسِ، وجاءَ خبرُ أمس بعد مُضِيِّ خبر اليوم، ومثله قوله:

{خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] وقد خَلَقها بعد خَلْق زوجها، ولكن هذا على الخبر دون الخَلْق، لأنَّ التأويلَ: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حواء قد خُلقت من ضلعه، ثم أُخبركم أني خَلَقت زوجها منها، ومثلُ هذا مِمَّا جاء في الشعر قوله:

1311 - إنَّ مَنْ ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد سادَ قبل ذلك جَدُّهُ

ومعلومٌ أنَّ الأبَ متقدِّمٌ له والجَدَّ متقدمٌ للأب، فالترتيبُ يعودُ إلى الخبر لا إلى الوجودِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ المرادُ أنه خلقه قالبًا من ترابٍ ثم قال له: كُنْ بَشَرًا فيصِحُّ النَّظْمُ.

وقال بعضُهم: المقولُ له كن: عيسى، ولا إشكالَ على هذا.

وقوله: {فَيَكُونُ} يجوز أَنْ يكونَ على بابِه مِنْ كونِه مستقبلًا، والمعنى: فيكونُ كما يأمرُ الله فيكونُ حكايةً للحال التي يكونُ عليها آدم.

ويجوز أن يكون «فيكونُ» بمعنى «فكان» ، وعلى هذا أكثرُ المفسرين والنحويين، وبهذا فَسَّره ابنُ عباس رضي الله عنه.

والمَثَلُ هنا: منهم مَنْ فَسَّره بمعنى الحال والشأن.

قال الزمخشري: «أي: إنَّ شأنَ عيسى وحالَه الغريبة كشأنِ آدم» ، وعلى هذا التفسير فالكافُ على بابها من كونِها حرفَ تشبيه، وفَسَّر بعضُهم المَثَلَ بمعنى الصفة.

قال ابن عطية: «وهذا عندي خطأ وضعفٌ في فَهْمِ الكلام.

وإنما المعنى: أن المثلَ الذي تتصوَّرُه النفوسُ والعقولُ مِنْ عيسى هو كالمُتَصَوَّرِ من آدم، إذ الناسُ كلُّهم مُجْمِعُون [على] أنَّ اللهَ خَلَقَه مِنْ تراب من غيرِ فحلٍ، وكذلك قولُه: {مَّثَلُ الجنة} [الرعد: 35] عبارةٌ عن المتصوَّر منها، والكافُ في «كمثل» اسمٌ على ما ذكرناه من المعنى».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت