قوله: {إِلاَّ قَلِيلًا} فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: أنَّه منصوبٌ على الاستثناءِ من «لَعَنَهم» أي: لَعَنَهم الله إلا قليلًا منهم، فإنهم آمنوا فلم يَلْعَنْهم.
والثاني: أنه مستثنى من الضميرِ في «فلا يؤمنون» والمرادُ بالقليلِ عبد الله بن سلام وأضرابه. ولم يستحسن مكي هذين الوجهين: أمَّا الأول قال: لأنَّ مَنْ كَفَر ملعون لا يستثنى منهم أحدٌ.
وأمَّا الثاني: فلأنَّ الوجهَ الرفعُ على البدلِ؛ لأنَّ الكلامَ غير موجبٍ»
والثالث: أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إلا إيمانًا قليلًا، وتعليلُه هو أنهم آمنوا بالتوحيدِ وكفروا بمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشريعته.
وعَبَّر الزمخشري وابن عطية عن هذا التقليل بالعدمِ، يعني أنهم لا يؤمنون ألبتَّة، كقوله:
1592 - قليلٌ التشكِّي للمُهِمِّ يُصيبه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ: «وما ذكراه من أن التقليلَ يُراد به العَدَمُ صحيح، غير أنَّ هذا التركيبَ الاستثنائي يأباه، فإذا قلت: «لم أقم إلا قليلًا» فالمعنى: انتفاء القيام إلا القليلَ فيوجد منك، لا أنه دال على انتفاء القيامِ ألبتَّةَ بخلافَ «قَلَّما يقولُ ذلك أحدٌ إلا زيدٌ» و «قَلَّ رجلٌ يفعل ذلك» فإنه يَحْتمل القليل المقابل للتكثير، ويحتمل النفيَ المحض، أمَّا أنك تنفي ثم توجب، ثم تريد بالإِيجاب بعد النفي نفيًا فلا، لأنه يلزم أَنْ تجيءَ «إلا» وما بعدها لغوًا من غيرِ فائدة، لأنَّ انتفاءَ القيام قد فُهِم من قولك: «لم أقم» فأيُّ فائدةٍ في استثناء مثبت يراد به انتفاءٌ مفهومٌ من الجملة السابقة؟
وأيضًا فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعدَ «إلا» موافقًا لِما قبلها في المعنى، والاستثناءُ يلزم أن يكون ما بعد «إلا» مخالفًا لِما قبلها فيه».