فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 2134

(الرحمن الرحيم)

صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقًا لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في الأربعةِ من العشرة المذكورة.

والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الأبطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازًا عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.

وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: «الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف» .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة» . قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: «هذا وَهْمٌ من الراوي.

وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي على العنف» .

ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.

واختلف أهلُ العلمِ في «الرحمن الرحيم» بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين.

فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيدًا، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط.

وهذا ضعيفٌ جدًا، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها ألبتَّة، وأيضًا فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ.

ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: «رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة» ، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى.

وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضًا: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلئِ غَضَبًا وسُكْرًا، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط.

قال الزمخشري: «فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسل

ولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف.

ومنهم مَنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال: «رحيم الدنيا وحمان الآخرة «لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعًا وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة. وقال أبو عبيدة: «وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضبًا، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال:

31 -فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ... فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ

فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ سِيده: «زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت