فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 2134

أحدهما: أنَّا لا نُسَلِّم أن الصدَّ كان قبل نزول الآية فإنَّ نزولها عام الفتح ليس مُجْمعًا عليه.

وذكر اليزيدي أنها نزلت قبل الصدِّ فصار الصدُّ أمرًا منتظرًا، والثاني: أنه وإنْ سَلَّمنا أن الصدَّ كان متقدمًا على نزولها فيكون المعنى: إنْ وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع زمن الحديبية - أو يستديموا ذلك الصدَّ الذي وقع منهم - فلا يجرمنكم، قال مكي: «ومثلُه عند سيبويه قول الشاعر - وهو الفرزدق:

169 -1 - أتغضَبُ إنْ أُذْنا قتيبةَ حُزَّنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وذلك شيءٌ قد كان ووقع.

وإنما معناه: إنْ وقع مثلُ ذلك الغضب، وجواب الشرِط ما قبله»

يعني: وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَه، لأن البصريين يمنعون تقديمَ الجوابِ إلا أبا زيد.

وقال مكي أيضًا: «ونظيرُ ذلك أنَّ يقول رجل لامرأته «أنت طالق إنْ دخلت الدار» بكسر «إن» لم تَطْلُق عليه بدخولها الأول لأنه أمر يُنْتَظَر، ولو فتح لَطَلَقَتْ عليه، لأنه أمرٌ كان ووقع، ففتحُ «أن» لما هو علة لما كان ووقع، وكَسْرُها إنما هو لأمرٍ يُنْتظر، والوجهان حَسَنان على معنييهما»

وهذا الذي قاله مكي فَصَّل فيه الفقهاء بين مَنْ يعرف النحو وبين مَنْ لا يعرفه.

ويؤد قراءَة الأبوين قراءة عبد الله بن مسعود: «إنْ يَصُدُّوكم» قال أبو عبيد: «حَدَّثنا حجاج عن هرون قال: قرأ ابن مسعود فذكرها، قال: وهذا لا يكونُ إلا على استئنافِ الصدِّ، يعني إنْ وقع صَدُّ آخرُ مثلُ ما تقدم عام الحديبية.

ونَظْمُ هذه الآيات على ما هي عليه مِنْ أبلغ ما يكون وأفصحِه، وليس فيها تقديمٌ ولا تأخير كما زعم بعضهم فقال: أصلُ تركيب الآية الأولى: «غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم، فإذا حَلَلْتم فاصطادوا»

وأصل تركيب الثانية: {ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} ونَظَّره بآيةِ البقرة يعني: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ} [الآية: 67] ، وهذا لا حاجةَ إليه مع أنَّ التقديم والتأخير عند الجمهور من ضرائر الشعر فيجبُ تنزيه القرآن عنه، وليست الجملةُ أيضًا من قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} معترضةً بين قوله: {ولا آمِّينَ البيت الحرام} وبين قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} بل هي مؤسسةٌ ومنشئةٌ حكمًا، وهو حِلُّ الاصطياد عند التحلُّل من الإِحرام، والجملةُ المعترضةُ إنما تفيد توكيدًا وتسديدًا، وهذه مفيدةٌ حكمًا جديدًا كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت