قوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} يجوز أن تكونَ «مِنْ» للتبعيض، وأن تكونَ لابتداءِ الغاية. وعاد الضميرُ هنا على الأنعام مفردًا مذكرًا.
قال الزمخشري: «ذكر سيبويه الأنعامَ في باب «ما لا ينصرف» في الأسماءِ المفردةِ الواردةِ على أَفْعال كقولهم: ثوبٌ أَكْياش، ولذلك رَجَع الضميرُ إليه مفردًا، وأمَّا «في بطونها» في سورة المؤمنين فلانَّ معناه جمع.
ويجوز أن يُقال في «الأنعام» وجهان:
أحدهما: أن يكون تكسير «نَعَم» كأَجْبال في جَبَل، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع كَنَعم، فإذا ذُكِّرَ فكما يُذكَّرُ «نَعَم» في قوله:
-في كل عام نَعَمٌ تَحْوُوْنَهُ ... يَلْقِحُه قومٌ وتَنْتِجُونَهْ
وإذا أُنِّثَ ففيه وجهان: أنه تكسير «نَعَم» ، وأنَّه في معنى الجمع».
قلتُ: الذي ذكره الزمخشريُّ هو ظاهرُ عبارةِ سيبويه وهو كافٍ في تسويغ عَوْد الضمير مفردًا، وإن كان أَفْعال قد يقع موقعَ الواحد مجازًا فإنَّ ذلك ليس بضائرٍ فيما نحن بصددِه، ولم يُحَرِّفْ لفظَه، ولم يَفْهَمْ عنه غيرَ مرادِه، لِما ذكرْتُه من هذا المعنى الذي قَصَدَه.
وقيل: إنما ذَكَّر الضميرَ لأنه يعودُ على البعض وهو الإِناث؛ لأنَّ الذكورَ
لا أَلْبانَ لها، فكأنَّ العِبْرَة هي بعض الأنعام. وقال الكسائي: «أي في بطونِ ما ذَكَرَ» .
قال المبرد: «وهذا شائعٌ في القرآن، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 1112] ، أي: ذَكَر هذا الشيءَ.
وقال تعالى: {فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي} [الأنعام: 78] ، أي: هذا الشيءُ الطالعُ، ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازيِّ، لا يجوز: جاريتُك ذهب».
قلت: وعلى ذلك خُرِّج قوله:
-فيها خطوطٌ مِنْ سوادٍ وبَلَقْ ... كأنه في الجِلدِ تَوْليْعُ البَهَقْ
أي: كأنَّ المذكورَ.
وقيل: جمعُ التكسير فيما لا يُعْقَل يُعامَل معاملةَ الجماعةِ ومعاملةَ الجمع، ففي هذه السورةِ اعتُبِر معنى الجمع، وفي سورة المؤمنين اعتُبر معنى الجماعة، ومن الأولِ قولُ الشاعر:
-مثل الفراخِ نُتِفَتْ حواصِلُهْ ...
وقيل: أنه يَسُدُّ مَسَدَّه واحدٌ يُفْهِم الجمعَ، فإنه يَسُد مَسَدَّه «نَعَم» ، و «نَعَم» يُفْهِم الجمعَ ومثلُه قولُه:
-وطابَ أَلْبانُ الِّلقاحِ وبَرَدْ ...
لأنه يَسُدُّ مَسَدَّها لَبَن، ومثلُه قولهم «هو أحسنُ الفتيان وأجملُه» ، أي: أحسنُ فتىً، إلا أن هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعِه.
وذكر أبو البقاء ستةَ أوجهٍ، تقدَّم منها في غضون ما ذكرْتُه خمسةٌ.
والسادس: أنه يعود على الفحل؛ لأن اللبن يكون مِنْ طَرْقِ الفحلِ الناقةَ، فأصلُ اللبنِ ماءُ الفحلِ
قال: «وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اللبن وإن نُسِب إلى الفحلِ فقد جَمَعَ البطون، وليس فحلُ الأنعام واحدًا ولا للواحد بطونٌ. فإن قال: أراد الجنسَ فقد ذُكِر» .
يعني أنه قد تقدَّم أن التذكيرَ باعتبارِ جنسِ الأنعام فلا حاجة إلى تقدير عَوْدِه على «فَحْل» المرادِ به الجنسُ.
قلت: وهذا القولُ نقله مكي عن إسماعيل القاضي ولم يُعْقِبْه بنكير.