(مسألة)
قال الزمخشري ما معناه: فإن قلت: لِمَ لَمْ يتقدَّمِ الظرفُ على الريب كما قُدِّم على «الغَوْل» في قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] ؟
قلت: لأنَّ تقديمَ الظرفِ ثَمَّ يُشْعِرُ بأنَّ غيرَها ما نُفِيَ عنها، فالمعنى: ليس فيها غَوْلٌ كما في خُمور الدنيا، فلَو قُدِّم الظرفُ هنا لأَفهمَ هذا المعنى، وهو أنَّ غيرَه من الكتبِ السماويةِ فيه ريبٌ، وليس ذلك مقصودًا، وكأنَّ هذا الذي ذكره أبو القاسم الزمخشري بناءً منه على أن التقديمَ يُفيد الاختصاصَ، وكأنَّ المعنى أنَّ خمرة الآخرة اختصَّتْ بنفي الغَوْلِ عنها بخلافِ غيرِها، وللمنازَعةِ فيه مجالٌ.
وقد رامَ بعضُهم الردَّ عليه بطريقٍ آخرَ، وهو أنَّ العربَ قد وَصَفَتْ أيضًا خَمْرَ الدنيا بأنها لا تَغْتَالُ العقولَ، قال علقمة:
109 -تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذيكَ صالِبُها ... وَلاَ يُخَالِطُها في الرأسِ تَدْويمُ
وما أبعد هذا من الردِّ عليه، إذ لا اعتبارَ بوَصْفِ هذا القائلِ.
فإن قيل: قد وُجِدَ الريبُ من كثيرٍ من الناس في القرآن، وقولُه تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ينفي ذلكَ؟
فالجوابُ من ثلاثة أوجه:
أحدُهما: أنَّ المنفيَّ كونُه متعلقًا للريبِ، بمعنى أنَّ معه من الأدلَّة ما إنْ تأمَّله المنصِفُ المُحِقُّ لم يَرْتَبْ فيه، ولا اعتبارَ بريبٍ مَنْ وُجِدَ منه الريبُ، لأنه لم ينظرْ حقَّ النظرِ، فَرَيْبُه غَيرُ مُعْتَدٍّ به.
والثاني: أنه مخصوصٌ، والمعنى: لا ريبَ فيه عند المؤمنين.
والثالث: أنه خبرٌ معناه النهيُ، أي لا تَرْتابوا فيه. والأول أحسنُ.