فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَاسُ مِنْ كلامِهِمَا، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ:"إِنّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، أو إِنّ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرٌ".
ـــــــ
الأهيم. فقال عمرو إنه لشديد المعارضة، مانع لجانبه مطاع في إذنه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم من غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك؟ والله يا رسول الله إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الاَخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البيان سحرًا، وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد بني تميم عليهم قيس بن عاصم والزبرقان وعمرو بن الأهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو: ما تقول في الزبرقان؟ فذكر نحوه وهذا لا يلزم منه أن يكون الزبرقان وعمر وهما المراد بحديث ابن عمر فإن المتكلم إنما هو عمرو بن الأهيم وحده وكان كلامه في مراجعته الزبرقان فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلا على طريق التجوز انتهى ما في الفتح"فخطبا"أي كلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة"إن من البيان سحرًا أو إن بعض البيان سحرًا"أو للشك من الراوي قال الخطابي البيان اثنان أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والاَخر ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن جهته. فيلوح للناظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح وإذا صرف إلى الباطل يذم، قال فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم، ويعقب بأنه لا مانع من تسمية الاَخر سحرًا لأن السحر يطلق على الاستمالة وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام وتكلف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبه بالسحر الذي هو تخييل الغير حقيقة وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وحمل الحديث على هذا صحيح لكن لا يمنع حمله على المعنى الاَخر إذا كان في تزيين الحق وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية.