يَا فُلاَنُ تُرِكَ مَا هُنَاكَ. فقال أبو سَعِيدٍ: أَمّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ:"مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ".
ـــــــ
وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عده بعضهم إجماعًا، قال النووي: يعني والله أعلم بعد الخلاف أو لم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول انتهى."أما هذا فقد قضى ما عليه"من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"من رأى"أي علم"منكرًا"أي شيئًا قبحه الشرع فعلًا أو قولًا أي في غيره من المؤمنين"فلينكره بيده"وفي رواية الشيخين فليغيره أي بأن يمنعه بالفعل بأن يكسر الاَلات ويريق الخمر ويرد المغصوب إلى مالكه"فمن لم يستطع"أي التغيير باليد وإزالته بالفعل لكون فاعله أقوى منه"فبلسانه"أي فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة"فمن لم يستطع"أي التغيير باللسان أيضًا"فبقلبه"بأن لا يرضى به وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًا إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير. وقيل التقدير فلينكره بقلبه لأن التغيير لا يتصور بالقلب فيكون التركيب من باب علفتها تبنًا وماء باردًا.
ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} "وذلك"أي الإنكار بالقلب وهو الكراهية"أضعف الإيمان"أي شعبه أو خصال أهله، والمعنى أنه أقلها ثمرة فمن غير المراتب مع القدرة كان عاصيًا، ومن تركها بلا قدرة أو يرى المفسدة أكثر ويكون منكرًا بقلبه، فهو من المؤمنين. وقيل معناه: وذلك أضعف زمن الإيمان إذ لو كان إيمان أهل زمانه قويًا لقدر على الإنكار القولي أو الفعلي ولما احتاج إلى الاقتصار على الإنكار القلبي، إذ ذلك الشخص المنكر بالقلب فقط أضعف أهل الإيمان، فإنه لو كان قويًا صلبًا في الدين لما اكتفى به، ويؤيده الحديث المشهور:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وقد قال تعالى: {وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} كذا في المرقاة. واقتصر النووي في شرح قوله: وذلك