بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السّمَاءِ فَرَفعْتُ رَأْسِي فإذَا المَلَكُ الّذِي جَاءَنِي بِحراءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ بَيْنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمّلُونِي زَمّلُونِي فَدَثّرُوني، فأنْزَلَ الله تعالى: {يَا أَيّهَا المُدّثّرُ قُمْ فأنْذِرْ} إلى قَوْلِهِ {وَالرّجْزَ فاهْجُرْ} قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصّلاةُ"."
ـــــــ
الملك جاءني بحراء"هو جبرئيل حين أتاه بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا"جالس على كرسي"خبر عن الملك الذي هو مبتدأ، وقوله الذي جاءني بحراء صفته"فجثثت منه"بضم الجيم وكسر المثلثة بعدها مثلثة أخرى ساكنة، وفي رواية البخاري فجثثت بضم الجيم وكسر الهمزة بعدها مثلثة ومعناهما فزعت ورعبت. قال أهل اللغة: جئث الرجل إذا فزع فهو مجثوث قال الخليل والكسائي: جئث وجثث فهو مجئوث ومجثوث أي مذعور فزع"فقلت زملوني زملوني"أي لفوني، يقال زمله في ثوبه إذا لفه فيه، وفي رواية للبخاري:"دثروني وصبوا على ماءًا باردًا". قال الحافظ: وكأن الحكمة في الصب بعد التدثر طلب حصول السكون لما وقع في الباطن من الانزعاج أو أن العادة أن الرعدة تعقبها الحمى وقد عرف من الطب النبوي معالجتها بالماء البارد {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} أي النبي وأصله المتدثر إدغمت التاء في الدال أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه وإنما سماه مدثرًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"دثروني" {قُمْ فَأَنْذِرْ} أي خوف الناس وحذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا، والمعنى قم من مضجعك ودثارك، وقيل قم قيام عزم واشتغل بالإنذار الذي تحملته، وبعده {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي من النجاسات والمستقذرات وذلك أن المشركين لم يكونوا يحترزون عنها فأمر صلى الله عليه وسلم بصون ثيابه من النجاسات وغيرها خلافًا للمشركين، وذكر في معناه وجود أخرى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} أي اترك الأوثان ولا تقربها. وقال ابن عباس: اترك المآثم وقيل الشرك، والمعنى اترك كل ما أوجب لك العذاب من الأعمال والأقوال وعلى"