تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 423
ثمّ اعلم: أنّ الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها الآية رقم [155] من سورة (البقرة) وما بعدها: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ... إلخ: ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حقّ أيوب- على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ حيث قرن هاء الصّبر بنون العظمة. ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد) :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ. ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [10] : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
فائدة: قال اللّه تعالى: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا: وقال جل ذكره: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ، وقال تعالى شأنه: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا قالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه.
الإعراب: وَمَنْ: الواو: حرف استئناف. (مَنْ) : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لَمْ: حرف نفي، وقلب، وجزم. يَسْتَطِعْ: فعل مضارع مجزوم ب لَمْ وهو في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (مَنْ) . مِنْكُمْ: جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وَ (مَنْ) بيان لما أبهم في (مَنْ) .
طَوْلًا: مفعول به. أَنْ: حرف مصدري، ونصب. يَنْكِحَ: فعل مضارع منصوب ب أَنْ، والفاعل يعود إلى (مَنْ) ، والمصدر المؤول منهما في محلّ نصب مفعول به ل طَوْلًا أو هو بدل من: طَوْلًا بدل كلّ من كلّ، أو في محل جر بحرف جر بمحذوف، يقدر ب «إلى» أو بلام التعليل، وعلى الاعتبارين فالجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة: طَوْلًا. هذا؛ وقيل: إنّ طَوْلًا مفعول لأجله، كما قيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعتمد الأوّل.
الْمُحْصَناتِ: صفة لموصوف محذوف، التقدير: أن ينكح النّساء المحصنات. الْمُؤْمِناتِ: صفة ثانية، فهما منصوبان، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّهما جمعا مؤنث سالمان. فَمِنْ ما: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (من ما) : متعلّقان بفعل محذوف، التقدير: فلينكح من ما ... إلخ. وقيل: هما متعلّقان بمحذوف صفة لموصول محذوف، التقدير:
فلينكح امرأة كائنة ممّا. وقيل: متعلّقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فالمنكوحة ممّا ... إلخ. والكلام على جميع الاعتبارات في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ له؛ لأنّه لم يحلّ محلّ المفرد. مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: انظر إعراب هذه الجملة في الآية السابقة، ومحلّها، وما ذكرته فيها. مِنْ فَتَياتِكُمُ: متعلّقان بمحذوف حال من مفعول: مَلَكَتْ. الْمُؤْمِناتِ: صفة لما قبله. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا به للفعل المقدّر، التقدير: من فتياتكم الفتيات المؤمنات، وفيه تكلّف لا يخفى، وخبر المبتدأ الذي هو (مَنْ) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل:
الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت: (مَنْ) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ،