تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 3، ص: 104
مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جازاهما جزاء. بِما: جار ومجرور متعلقان ب:
جَزاءً أو بمحذوف صفة له، وَ (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. كَسَبا: فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو:
بشيء كسباه. نَكالًا: مفعول لأجله أيضا، وقيل: هو بدل من: جَزاءً. هذا وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: جزاء بكسبهما. (اللّه) :
مبتدأ. عَزِيزٌ حَكِيمٌ: خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
[سورة المائدة (5) : آية 39]
الشرح: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي: تاب بعد سرقته أموال الناس، وأناب إلى اللّه؛ فإنّ اللّه يتوب عليه فيما بينه، وبينه، فأمّا أموال الناس؛ فلا بدّ من ردّها إليهم، أو بدلها عند الجمهور. وسمّيت السّرقة ظلما لأمرين: الأوّل: ظلم المسروق، والثاني: ظلم نفسه بالمعصية.
وَأَصْلَحَ أي: أصالح نفسه بالعمل، وردّ المسروق لصاحبه. فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ: يقبل توبته، فلا يعذبه في الاخرة، أمّا القطع فلا يسقط عنه بالتّوبة على المعتمد إلا إذا عفا عنه صاحب المال قبل الرّفع إلى الحاكم، فإنّه يسقط عنه القطع. وعليه الشّافعيّ. وخذ ما يلي:
فقد روى الإمام أحمد- رضي اللّه عنه- عن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما-: أنّ امرأة سرقت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاء بها الّذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللّه! إنّ هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اقطعوا يدها» فقالوا: نحن نفديها بخمسمئة دينار، فقال: «اقطعوا يدها» فقطعت يدها اليمين، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللّه؟! قال: «نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك» فأنزل اللّه في سورة (المائدة) : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ ...
إلخ. وهذه المرأة هي المخزوميّة الّتي سرقت، وحديثها ثابت في الصّحيحين، وخذه بما يلي:
عن عائشة- رضي اللّه عنها، وعن والديها- أنّ قريشا أهمّهم شأن المخزوميّة؛ الّتي سرقت فقالوا: من يكلّم فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ ثمّ قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فكلّمه أسامة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أسامة أتشفع في حدّ من حدود اللّه؟!» . ثمّ قام فاختطب، فقال: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم: أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم اللّه! لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» .
أخرجه السّتّة. وانظر التّوبة، وشروطها في الايتين رقم [17 و 18] من سورة (النساء) فإنّه جيد، والحمد للّه!.