تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 628
غيره من الأزمنة؛ لأنّه لا يقال: أبد كذا، كما يقال: زمن كذا، وفي قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَدًا دليل على أنّ الخلود لا يفيد التأبيد، والدّوام؛ لأنّه لو أفاد ذلك؛ لزم التّكرار، وهو خلاف الأصل، فعلم من ذلك: أنّ الخلود عبارة عن طول الزّمان، لا على الدّوام، فلمّا أتبع الخلود بالأبد؛ علم: أنّه يراد به الدّوام؛ الّذي لا ينقطع.
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا: يعني: وعد اللّه ذلك الذي ذكر وعدا حقّا. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: أصله: قولا؛ بكسر القاف، وسكون الواو، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، والقيل:
والقال، والقول بمعنى واحد. والمقصود من الآية الكريمة معارضة المواعيد الشّيطانية الكاذبة لأوليائه بوعد اللّه الصادق لأصفيائه، والمبالغة في توكيده، ترغيبا للعباد في تحصيله. وانظر الآية رقم [87] فهو جيّد. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين هذه وما تضمّنت من الوعد وبين ما قبلها، وانظر شرح المقابلة في الآية رقم [85] .
الإعراب: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا: انظر الآية رقم [57] ففيها الكفاية. وَعْدَ: مفعول مطلق مؤكّد لمضمون (ندخلهم) لأنّه وعد من العزيز الحكيم، وهو مضاف، واللَّهِ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. حَقًّا: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه صفة وعد اللّه، وجوّز اعتبارها حالا من المصدر قبله، وهو ضعيف.
وَمَنْ: الواو: حرف استئناف. (مِنْ) : اسم استئناف بمعنى النفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. أَصْدَقُ: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. مِنَ اللَّهِ: متعلقان ب أَصْدَقُ، أو هما متعلقان ب قِيلًا لأنّه مصدر أيضا. قِيلًا: تمييز، وانظر الآية رقم [87] .
[سورة النساء (4) : آية 123]
الشرح: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ليس الأمر على شهواتكم، وأمانيكم أيّها المسلمون. وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ: وليس الأمر على شهوات أهل الكتاب:
اليهود، والنصارى. هذا؛ وَ (أَمانِيِ) جمع: أمنية بتشديد الياء، وتخفيفها فيهما، قال أبو حاتم- رحمه اللّه تعالى-: كلّ ما جاء من هذا النحو واحد، مشدّد، فلك فيه التّشديد، والتخفيف، مثل:
أثافي، وأغاني، وأماني، ونحوه. وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى، تمنيا، أي: كذب، ومنه قول عثمان بن عفان- رضي اللّه عنه-: ما تمنّيت مذ أسلمت؛ أي: ما كذبت.
أو هي جمع: أمنية من التمنّي، وهو طلب شيء محبوب، لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا:
أو بعيد الوقوع. وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى ترجيا، وعليه: فالأماني التي يتمنّاها